وفي هاتيك الأيام كان هنري الثاني إمبراطورا لألمانية، فسمت نفسه إلى إدخال إسبانية في طاعته؛ لكونها من ولايات سلطنة الغرب، ويقال: إن البابا فيكتور الثاني مالأه على مقصده، فلما أبلغ ذلك الإمبراطور والبابا إلى فرديناند مال إلى الخضوع خوفا منهما، لكن السيد عارض في الأمر وجمع عسكرا وزحف به إلى طلوزة قاصدا لقاء العدو، فلما علم البابا به خاف العواقب وصرف إمبراطور ألمانية عن دعواه.
ولما مات فرديناند لم يكن لشانجه ولده ساعد أشد من السيد، وهو الذي نصره في وقعة «غولبيجاره»، وكان بجانبه عندما قتل في زامورة. وفي مدة الفونس أخيه انصرف السيد إلى مرابطة المغاربة، ووالى عليهم الهزائم حتى لقب بالكمبيادور، ومعناه بلغتهم قائد المعسكر. إلا أن ما حازه من الشهرة أثار عليه حسد الأقران وضغائن الأنظار؛ فانقبض بنفسه عن الحضرة، وسكن البادية، وبلغه أثناء ذلك أن مسلمي سرقسطة والثغر الأعلى اجتاحوا أراضي قشتالة، وأثخنوا في الإسبانيول؛ فنهد إليهم وساق منهم سبعة آلاف أسير، واكتسح بسائط طليطلة، وكانت في يد المأمون صاحبها، فشكا إلى الأذفونش خرق الصلح بدون موجب، فاستشار الملك خاصته وأجمعوا على نفي السيد، وضربوا له أمدا تسعة أيام لأجل الخروج، فأطاع، ولكنه لم يكن يملك من المال ما يكفي لميرة الثلاثمائة فارس التي هي في صحبته؛ فأعمل في الحيلة وأرسل صندوقين مفعمين رملا إلى بعض اليهود مؤكدا أنهما مملوءان حليا، وأخذ عليهما مبلغا من الذهب، ثم وفى دينه بعد ذلك بما حازه من الغنائم أثناء غزواته في بلاد الإسلام.
وبقي مدة بعيدا عن الحضرة إلى أن رضي عنه الملك وأعاده وأذن له في الغزو وحده، فابتنى لنفسه قصرا بقرب أراغون لم يزل معروفا باسم صخرة السيد إلى الآن، وجعلها لنفسه وكرا يأوي إليه وينطلق منه للغزو. وكان أكثر ما يغزو مملكة ابن عباد؛ لكونه هو الذي دعا يوسف بن تاشفين إلى الأندلس، على أنه لما أراد ابن تاشفين استخلاص ملك إشبيلية من يد ابن عباد، واستنجد الطاغية، أرسل إليه عشرين ألفا، قيل: إنه عقد عليهم للسيد، لكن لم ينالوا له وطرا؛ إذ كان في المرابطين سادات بدل السيد.
ثم زحف السيد بعساكره نحو بلنسية وضيق عليها الحصار، وكان فيها القاضي أحمد بن جعفر المعافري بحسب رواية بعض مؤرخي الإفرنج ومنهم لافاله. والذي في كتب العرب أن الذي كان فيها هو القاضي أبو أحمد بن جحاف، واتفقت روايات العرب والإفرنج أن لذريق دخلها صلحا وعاهد القاضي، لكنه لم ينشب أن أحرقه بالنار بعد الاستيلاء؛ قيل: لكون السيد طلب إليه أن يدله على ذخيرة كانت للقادر بن ذي النون فأقسم أنها ليست عنده؛ فأحرقه وعاث في بلنسية. وفي ذلك يقول ابن خفاجة الشاعر المشهور:
عاثت بساحتك الظبا يا دار
ومحا محاسنك البلا والنار
فإذا تردد في جنابك ناظر
طال اعتبار فيك واستعبار
أرض تقاذفت الخطوب بأهلها
وتمخضت بخرابها الأقدار
كتبت يد الحدثان في عرصاتها
لا أنت أنت ولا الديار ديار
وورد في نفح الطيب ما نصه بالحرف «وكان استيلاء القنبطور» (تحريف القمبدور أو الكمبدور لقب السيد) سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وقيل في التي قبلها، وبه جزم ابن الأبار قائلا: فتم حصار القنبطور إياها عشرين شهرا، وذكر أنه دخلها صلحا. وقال غيره: إنه دخلها وحرقها وعاث فيها، وممن أحرق فيها الأديب أبو جعفر بن البتاء الشاعر المشهور - رحمه الله تعالى وعفا عنه - فوجه أمير المسلمين يوسف بن تاشفين الأمير أبا محمد مزدلي، ففتحها الله على يديه سنة خمس وتسعين وأربعمائة، وتوالى عليها أمراء الملثمين. انتهى.
وفي حرق قاضي بلنسية قد أتى «لافاله» بجميع أصناف المعاذير؛ تغطية لعمل القنبطور، واتهم القاضي بالخيانة. وأنكر أن يكون السيد فعل ذلك بسبب الذخيرة، بل لمكيدة لا بد أن يكون اطلع عليها، ورمى مؤرخي العرب بتشنيع سيرة السيد تعصبا منهم وكراهية لاسمه لما كان عليه من الغيرة على النصرانية.