وجاء جيش المرابطين لاسترداد البلدة؛ فخرج إليهم وهزمهم، وبعد ذلك انحصر همه في بسط سلطانه على النواحي المجاورة لبلنسية؛ فاستولى على المنارة ومربيطر سنة 1098، وكان قد دخل في سن الشيخوخة وشعر بانتهاء همته، وحول المسجد الأعظم إلى كنيسة، وأسس في بلنسية أسقفية عين لها المطران جيروم بري غورد
Péri gord ، ثم صالح سيده الفونش السادس ملك قشتالة وأزوج بنتيه من أبناء الملوك؛ فإحداهما مارية تزوجها رامون بيرانجه الثالث، والثانية كراستينه تزوجها راميرو ولي عهد نباره.
ثم فكر السيد في فتح شاطبة التي كانت لا تزال بأيدي المرابطين، فانهزم جيشه في واقعة شاطبة، واستشاط غضبا والتاع حزنا؛ فمات سنة 1099، وقامت مقامه زوجته شيمانة، فهاجمها المرابطون مدة سنتين، ثم تقدم القائد المزدلي اللمتوني فحصر بلنسية في أواخر سنة 1101، وضيق عليها، واستمر الحصار سبعة أشهر في أثنائها حاول الفونش السادس الدفاع عنها فلم يفز بطائل، فنصح لشيمانة بترك بلنسية؛ فخرجت منها ولكن بعد أن أحرقتها، فلما دخلتها جيوش المرابطين وجدتها رمادا. ولما خرجت شيمانة من بلنسية احتملت جسد زوجها معها ودفنته بقرب برعش في دير «سان بدروه كردينيه»، وماتت شيمانة في سنة 1104 ودفنت عند زوجها. انتهى كلام لاوي بروفنسال عن السيد في الأنسيكلوبيدية الإسلامية.
وقد كنا حررنا ترجمة السيد هذا في خلاصة تاريخ الأندلس الذي ذيلنا به ترجمتنا لرواية ابن سراج، فقلنا: أما مملكة قشتالة أجل ممالك النصرانية في الأندلس، فإن رافع منارها فرديناند الأول الملقب بالكبير الذي انتزع كثيرا من أملاك المسلمين، وكان معاصرا لابن عباد، وقسم ممالكه بين أولاده الثلاثة؛ فأعطى شانجه مملكة قشتالة، والفونش أو أذفنش مملكة ليون، وغارسيا الصغير مملكة غاليسيا أو جليقية، إلا أن الفونش تمكن في الآخر من ضم الجميع إلى ملكه وصار خلفا لأبيه، وهو الذي استولى على طليطلة قلب إسبانيا وجعلها مقر سلطانه، وفي أيامه ظهر السيد بطل الإسبانيين الذي تنسب إلى ذريته عروس رواية شاتوبريان التي ذيلنا عليها هذا التاريخ المختصر، ولما كان التناسب الذي هو شرط الحسن يقتضي الإفادة عن آل بيفار أجداد أدماء بمثل ما أفدنا عن آل سراج أجداد ابن حامد، رأينا أن نلمح إلى شيء من أخبار السيد حسبما ذكر المحققون.
فنقول: هو السيد لذريق بن دياغو بن لاين نوتاز بن لاين كالفو، من كبار قضاة قشتالة، تزوج السيد بشيمانة، وولد دياغو لذريق الذي مات في حياة والده وابنتين إحداهما تزوجت بابن ملك نافار والأخرى بابن ملك أراغون.
وشيمانة هذه هي ابنة الكونت لوزانو دوغورماز من فحول قواد الملك فرديناند؛ وسبب اقتران السيد بها أن والدها كان قد صفع دياغو والد السيد وهو بالغ من الكبر عتيا فلم يمكنه أخذ ثأره بيده، لكن ولده لذريق أخذ السيف ودعا غورماز إلى البراز فقتله، ولما لم يكن في قتل البراز جناح جاءت ابنته شيمانة تشكو إلى الملك فرديناند كون لذريق يأتي كل يوم وبازه على يده، فيطلقه في بيت حمامها فيفتك بالحمام ويذيق فراخها كئوس الحمام، وقد بعثت تقول له في ذلك، فجاوبها بالوعد قائلا: إن الملك الذي يسمح بقهر اليتيم ولا يقتص ممن اعتدى عليه لا يليق أن يسمى ملكا.
فتحير فرديناند في أمره؛ لأن لذريق كان أقوى عضد له في مواقفه مع المسلمين، والإسبانيون يزعمون أن السيد أسر خمسة من ملوك الإسلام، وبعد أن قادهم بخزائم الاستكانة من عليهم بإطلاق سبيلهم ودعوه سيدهم، فلم يجد فرديناند مخرجا من الأمر إلا بتزويج السيد بشيمانة.
وأما نسبة السيد إلى بيفار فولادته في ذلك القصر، وهي كما لا يخفى عادة الإفرنج في ألقاب الشرف. ومن شهير أفعال السيد أنه لما اصطلت الحرب بين قشتالة وأراغون لعهد فرديناند وقع الاتفاق بين هذا الملك وبين أخيه على تحكيم السيف وإبراز قرنين بالنيابة عنهما من أبطالهما، وإعطاء الحق لمن منهما حقت له الغلبة، فكان السيد نائبا عن ملك قشتالة، وكان مارتين غوماز نائبا عن صاحب أراغون أخيه، فعند اللقاء فتك السيد بخصمه وبرد الحق لفرديناند دون أخيه.