وصارت له المكانة العليا، وجعل المسلمون يلقبونه «بسيدي»، وكان يترجمها الإسبانيول بجملة
Mio Cid ، ثم بطول الاستعمال استغنوا عن لفظة «ميو»، فبقيت «سيد» وحدها؛ فصار هذا لقبه. ثم إنه تظفر في وقعة ثانية تحت لواء المؤتمن بن هود. ومات المؤتمن فخلفه ابنه المستعين الثاني والسيد في خدمته، ومن ذلك الوقت فكر السيد في الاستيلاء على بلنسية التي يليها عبد العزيز العامري من أحفاد المنصور بن أبي عامر، وكانت انضمت إلى طليطلة سنة 1065.
ولما تولى ملك طليطلة القادر بن ذي النون بعد وفاة أبيه المأمون أرسل واليا على بلنسية أبا بكر بن عبد العزيز الذي انتفض على ابن ذي النون، وتحالف مع الفونش السادس، غير أن الفونش خذله في سنة 1085، وباع بلنسية من القادر بن ذي النون، وأرسله إلى بلنسية، وأرسل معه جيشا قشتاليا بقيادة الفارفانز
Alvar Fanez
8
وهكذا تم دخول القادر إلى بلنسية، إلا أن أهالي هذه البلدة ثاروا على القادر، فلما أجاز يوسف بن تاشفين سلطان المرابطين إلى إسبانية وهزم المسيحيين في معركة الزلاقة (23 أكتوبر سنة 1086)، استدعى الفونش قائده السالف الذكر من بلنسية، واستغاث القادر بن ذي النون بالفونش وبالمستعين صاحب سرقسطة لأجل رد المنذر صاحب طرطوشة الذي كان يوالي الغارات على بلاده، فكان المستعين صاحب سرقسطة يطمح إلى ملك بلنسية، ويفكر في فتحها بواسطة السيد لذريق بن بيفار الذي وعده المستعين بالتخلي له عن جميع غنائم الفتح. إلا أن هذا الاقتراح لم يرق السيد محافظة على ولاء الفونش.
وفي سنة 1089 ذهب السيد إلى قشتالة، واستقبل باحتفال عظيم وأكرم الفونش مثواه. ثم خرج السيد إلى شرق الأندلس ومعه سبعة آلاف مقاتل، فكان المستعين بن هود قد انتهز فرصة غيابه وتحالف مع بيرانجه قمط برشلونة الذي ذهب يحاصر بلنسية، فلما أقبل السيد نكص قمط برشلونة على أعقابه؛ فعرض السيد على القادر صاحب بلنسية بأن يحمي له بلاده ببدل عشرة آلاف دينار كل شهر، وفي هيعة ذلك أرسل الفونش إلى السيد يستنفره لقتال يوسف بن تاشفين فلم يجب نداءه، وسار سيرة رئيس عصابات غير متقيد بأمر أحد، وعاث في جميع شرق الأندلس من أوريولة إلى شاطبة، وزحف نحو طرطوشة، وأجبر صاحبها على طلب حمايته، ثم هزم قمط برشلونة، وعقد معه معاهدة، واضطر صاحب برشلونة أن يسترضيه بمبالغ من المال كما أنه فرض إتاوات على جميع ملوك المسلمين الذين كانوا في شرقي الأندلس، مثل ابن رزين صاحب السهلة، ومثل أمير البونت، وأمير مربيطر، وأمير إشكرب، وأمير شارقة، وأمير المنارة
9
وكان الخلاف يزداد بين ملك قشتالة الفونش السادس والسيد إلى أن أجمع الفونش إخراج السيد من بلنسية، فزحف بجيش لحصار المدينة وكان يعاونه من البحر أسطول جنوة وأسطول بيزة من إيطالية، وكان السيد حينئذ يحارب ملك أراغون المسيحي في صف ملك سرقسطة المسلم، فلما بلغه كون الفونش باشر حصار بلنسية ترك سرقسطة وذهب فشن الغارة على «ناجرة» و«وكلاهرة» من مقاطعة عدوه غرسيه أوردونه
Garcia Ordonez ، ودمر مدينة «لوكروني»؛ فاضطر الفونش إلى رفع الحصار عن بلنسية.
وكان السيد قد ترك في بلنسية نائبا عنه لدى صاحبها القادر بن ذي النون رجلا مسلما يقال له ابن فرج؛ ففي سنة 1092 ثار الأهالي بإغراء القاضي ابن جحاف وقتلوا ابن الفرج، وغلب على الأمر القاضي ابن جحاف يؤيده نائب من قبل دولة المرابطين، فانتظر السيد إلى السنة التالية، وزحف بجميع عساكره قاصدا بلنسية، فاستولى على أرباضها مثل «بلنوبة
Villanueva » و«الكدية
Alqudyia »، ورضي بمفاوضة ابن جحاف الذي كان رئيس الجماعة في بلنسية، لكنه لم يرفع الحصار عن المدينة.
وما زال يضيق عليها حتى عضها الجوع بأنيابه؛ فاضطر القاضي رئيس الجمهورية البلنسية إلى تسليمها، ودخلها السيد في 15 يونيو سنة 1094، ولكنه لم يأت الأهالي بأذى، وكان يعاملهم بالرعاية، وكانوا هم طائعين له، إلا أنه أمر بإحراق القاضي ابن جحاف حيا انتقاما منه.