ولها عدة منازه: منها الرصافة ومنية ابن عامر، وحيث خرجت منها لا تلقى إلا منازه. قال ابن سعيد: ويقال: إن ضوء مدينة بلنسية يزيد على ضوء بلاد الأندلس، وجوها صقيل أبدا لا يرى فيه ما يكدره، ولها مضافات منها مدينة شاطبة ... إلى آخر ما قال. وفي بعض نسخ صبح الأعشى مذكورة هذه الجملة: وقد صارت الآن من مضافات برشلونة في جملة أعمال صاحبها من ملوك النصارى. (2) تاريخ بلنسية
قلنا: في أيام القلقشندي - صاحب صبح الأعشى - كان مضى على خروج العرب من بلنسية 185 سنة؛ لأن بلنسية سقطت سنة 636؛ ولأن أبا العباس أحمد بن علي بن أحمد القلقشندي - مؤلف صبح الأعشى - توفي ليلة السبت عاشر جمادى الآخرة سنة 821.
وجاء في الانسيكلوبيدية الإسلامية عن بلنسية بقلم لاوي بروفنسال ما يلي: بلنسية هي المدينة الثالثة في إسبانية، عدد سكانها يبلغ 250 ألف نسمة، وهي إلى الشرق من جزيرة الأندلس على أربعة كيلومترات من البحر المتوسط، ولها مرسى يقال له «الغراو»، وهي مربوطة بمجريط بخط حديدي طوله 490 كيلومترا، على أنه لو كان الخط مستقيما بين بلنسية ومجريط لما زاد على ثلاثمائة كيلومتر. وبلنسية مركز ولاية، وفيها رئاسة أساقفة، وموقعها يستجلب النظر في وسط محرثها الخصيب الذي يشرب من نهر «توريا
Turia »، أو الوادي الأبيض كما كان يقول العرب. وبلنسية بخلاف قرطبة وطليطلة لم تفقد مكانتها الماضية، بل زادها الدهر أهمية، ولا تزال إلى يوم الناس هذا عاصمة شرق الأندلس، ويقال لهذه البلدة: بلنسية السيد
Cid ؛ نظرا للدور العظيم الذي لعبه هذا البطل القشتالي في بلنسية.
ولقد بنى بلنسية الرومانيون سنة 138 قبل المسيح، وذلك أن جونيوس بروتس
Brutus
بعد موت الثائر فيرياث
Viriathe
أسكن فيها جالة من العساكر القدماء الذين لبثوا أمناء لرومة. ثم إن الأهالي انحازوا إلى سيرتوريوس
Sertorius
سنة 75 بعد المسيح، فاجتاحها بومبي
Pompèe ، ثم عادت فازدهرت في زمن أغسطس، وفي سنة 413 استولى عليها القوط، وفي سنة 714 صارت بلنسية مدينة إسلامية بعد أن فتحها طارق هي والمدن التي تجاورها مثل ساقونتة وشاطبة ودانية. ولم يكن لها ذلك الشأن في دور بني أمية. وقد غلبت عليها وعلى أعمالها العروبة بنزول القيسية فيها وفي أرباضها.
وهكذا استمرت بلنسية طيلة عهد الإسلام من أعظم مراكز العربية في جزيرة الأندلس، على أنه كان يوجد في جبالها بعض قرى بربرية. وكانت بلنسية في زمن بني أمية مركز مقاطعة أو كورة، كما قال المقدسي والرازي وياقوت الحموي، وكان يقيم بها الوالي من قبل الخليفة الذي في قرطبة، ولم تبدأ بأن تكون مركز حكومة مستقلة إلا بعد سقوط الخلافة الأموية، فصارت من ذلك الوقت من أهم أهداف استرداد الإسبانيول للأندلس، وصار لها ذكر عظيم في التواريخ الإسبانية والعربية التي وصلت إلى أيدينا.
وكان تأسيس الحكومة المستقلة في بلنسية سنة 401 وفق 1010 على أيدي اثنين من مماليك بني عامر مبارك ومظفر، كانا إلى ذلك الوقت مفتشين للري في بساتين بلنسية. فلما سقطت الخلافة غلبا على الأمر وتقاسما سلطنة هذه الكورة
6
ثم لم يلبث مبارك أن مات، وثار الأهالي بمظفر فطردوه، وبايعوا صقلبيا آخر اسمه لبيب جعل نفسه تحت سيادة قمط برشلونة. ثم آل أمر بلنسية إلى عبد العزيز بن عبد الرحمن من أحفاد المنصور بن أبي عامر، وكان قد لجأ إلى منذر بن يحيى التجيبي - صاحب سرقسطة - فلما تولى بلنسية تلقب بالحاجب لقب جده المنصور، وطالت مدته في هذه الإمارة، فكان دور أمان وسلام في بلنسية، ومات سنة 452.
ولما تولى الخلافة في قرطبة القاسم بن حمود بادر عبد العزيز هذا إلى مبايعته، فلقبه بالمؤتمن ذي السابقتين، وكانت صلاته حسنة مع ملوك المسيحيين. وعند وفاته خلفه ابنه الملقب بالمظفر، وكان يافعا؛ فكفله الوزير ابن عبد العزيز، ولم يطل الأمر حتى زحف فرديناند ملك قشتالة وليون على بلنسية، وكاد يدخلها، وخرج البلنسيون لقتاله خارج البلدة، فهزمهم؛ فاستصرخ المظفر عبد الملك المأمون بن ذي النون؛ فسار هذا إلى بلنسية وخلع أميرها الشاب، واستولى عليها، وجعل وكيلا عنه فيها الوزير أبا بكر بن عبد العزيز، وذلك سنة 457، وبقيت هذه الحال إلى سنة 467 إذ مات المأمون بن ذي النون وخلفه ابنه يحيى القادر الذي اشتهر بسوء تدبيره؛ فنقضت بلنسية بيعة القادر هذا؛ ولأجل أن يقدر عليها وهو عاجز عنها لجأ إلى الفونش السادس - ملك قشتالة - واستمده لأخذ بلنسية؛ فانتهى الأمر بأن نزل له عن عاصمته طليطلة سنة 478 وفق 1085.