قال الشريف الإدريسي: بلنسية قاعدة من قواعد الأندلس، وهي في مستو من الأرض غامرة القطر كثيرة التجار والعمار، وبها أسواق وتجارات وحط وإقلاع، وبينها وبين البحر ثلاثة أميال مع النهر ... إلى آخر ما قال مما تقدم نقله.
وقال ياقوت في معجم البلدان: بلنسية، السين مهملة مكسورة وياء خفيفة: كورة ومدينة مشهورة بالأندلس متصلة بحوزة كورة تدمير، وهي شرقي تدمير وشرقي قرطبة، وهي برية بحرية ذات أشجار وأنهار، وتعرف بمدينة التراب،
2
وتتصل بها مدن تعد في جملتها، والغالب على شجرها القراصية، ولا يخلو منه سهل ولا جبل، وينبت بكورها الزعفران وبينها وبين تدمير أربعة أيام، ومنها إلى طرطوشة أربعة أميال.
وكان الروم قد ملكوها سنة 487، واستردها الملثمون الذين كانوا ملوكا بالغرب قبل بني عبد المؤمن، وذلك سنة خمس وتسعين، وأهلها خير أهل الأندلس يسمون عرب الأندلس، بينها وبين البحر فرسخ، وقال الأديب أبو زيد عبد الرحمن بن مقانا الأشبوني الأندلسي:
إن كان واديك نيلا لا يجاز به
فما لنا قد حرمنا النيل والنيلا
إن كان ذنبي خروجي من بلنسية
فما كفرت ولا بدلت تبديلا
دع المقادير تجري في أعنتها
ليقضي الله أمرا كان مفعولا
وقال أبو عبد الله محمد الرصافي:
3
خليلي ما للبلد قد عبقت نشرا
وما لرءوس الركب قد رجحت سكرا
هل المسك مفتوقا بمدرجة الصبا
أم القوم أجروا من بلنسية ذكرا
بلادي التي راشت قويدمتي بها
فريخا وآوتني قرارتها وكرا
أعيذكم إني بكيت لبينكم
وكل يد منا على كبد حرى
نؤمل لقياكم وكيف مطارنا
بأجنحة لا نستطيع لها نشرا
فلو آب ريعان الصبا ولقاؤكم
إذا انقضت الأيام حاجتنا الكبرى
فإن لم يكن إلا النوى ومشيبنا
فمن أي شيء بعد نستعتب الدهرا
ثم ذكر ياقوت من أبيات الشعر التي قيلت في بلنسية ما تقدم نقله عن نفح الطيب، فلا حاجة إلى تكراره، ولكننا ننقل منه هنا ما ينسب إلى خلف بن فرج الألبيري المعروف بابن السمسير:
بلنسية بلدة جنة
وفيها عيوب متى تختبر
فخارجها زهر كله
وداخلها برك من قذر
قال: وذلك لأن كنفهم ظاهرة من وجه الأرض لا يحفرون لها تحت التراب وهو عندهم عزيز لأجل البساتين. وروايته هذه تشبه ما رواه عن البصرة، وهو أن للحشوش فيها أثمانا وافرة، وأن لها تجارا يجمعونها فإذا كثرت اجتمع عليها أصحاب البساتين ووقفوا تحت الريح ليختبروا نتنها، فما كان منها أنتن كان ثمنها أكثر إلى آخر ما قال، وأنشد في ذلك شعرا لمحمد بن حازم الباهلي من جملته:
يعتق سلحه كي ما يغالي
به عند المبايعة التجار
هذا وكم من بلدة في الأرض تتمنى أن يكون لها جنان بلنسية ونخيل البصرة. ثم قال ياقوت: وينسب إلى بلنسية جماعة من أهل العلم بكل فن منهم سعد الخير بن محمد بن سهل بن سعد أبو الحسن الأنصاري البلنسي، فقيه صالح ومحدث مكثر، سافر الكثير، وركب البحر حتى وصل إلى الصين، وانتسب لذلك صينيا، وعاد إلى بغداد وأقام بها، وسمع بها أبا الخطاب بن البطير، وطراد بن محمد الزينبي وغيرهما، ومات ببغداد في المحرم سنة 541.
4
ا.ه. وقد استغربنا من ياقوت كونه لم يذكر من مشاهير علماء بلنسية غير واحد، وسترى أنه نبغ منهم فيها مئات.
وجاء في صبح الأعشى: القاعدة التاسعة بلنسية، قال في تقويم البلدان: بفتح الباء الموحدة واللام وسكون النون وكسر السين المهملة وفتح المثناة من تحت وهاء في الآخر، وموقعها أواخر الإقليم الرابع من الأقاليم السبعة. قال ابن سعيد: حيث الطول عشرون درجة والعرض ثمان وثلاثون درجة وست دقائق. قال في تقويم البلدان: وهي من شرقي الأندلس شرقي مرسية وغربي طرطوشة، وهي في أحسن مكان، وقد حفت بالأنهار والجنان، فلا ترى إلا مياها تتفرع، ولا تسمع إلا أطيارا تسجع، وهي على جنب بحيرة حسنة على القرب من بحر الزقاق
5
يصب فيها نهر يجري على شمالي بلنسية.