| هوامش
| مدينة إشكرب
ومن مدينة مربيطر إلى مدينة إشكرب
Segorbe
31 كيلومترا.
هذه البلدة هي من أعمال بلنسية، ينسب إليها أناس من أهل العلم كما سيأتي، وسكانها اليوم سبعة آلاف نسمة، ولها موقع بديع على ضفة نهر بلانسية
Palancia
تحف بها أكام مشرفة على رءوسها قصور شامخة. واشتقاق اسم شيكورب، ويقول الإسبانيول: سيغورب هو من اسم سيغوبريكا
Segobriga
الذي كان معروفا في زمان السلتيبيريين
Celtipéres ، فهي بلدة قديمة، وفيها كنائس ذات آثار عتيقة، وإذا أقبل الإنسان من مربيطر نحو بلنسية مر ببساتين بلنسية الشهيرة، وفي خلال البساتين كثير من القرى مثل «بوزول
Puzol » و«بويغ
Puig » و«كابانيال
Cabanial »، ثم يعبر القطار الحديدي نهيرا اسمه «توريه
Turia » فيصل إلى بلنسية.
ذكر ياقوت الحموي مدينة إشكرب هذه، فضبطها بالكسر مع سكون الراء وآخرها باء موحدة، وقال: إنها مدينة في شرقي الأندلس، ينسب إليها أبو العباس يوسف بن محمد فاره الإشكربي، ولد بإشكرب، ونشأ بجيان فانتسب إليها، وسافر إلى خراسان وأقام ببلخ إلى أن مات بها في سنة 548.
| بلنسية
(1) جغرافيتها
حاضرة من حواضر الأندلس الكبرى ما حضر منها وما غبر، ومصر من الأمصار المعدودة في ما عمره البشر، كانت إحدى العواصم الست التي ترجع إليها إسبانية العربية، وهي قرطبة في الوسط، وطليطلة في الوسط إلى الشمال، وسرقسطة في الشمال إلى الشرق، وإشبيلية في الغرب، وغرناطة في الجنوب، وبلنسية
Valencia
1
هذه في الشرق، وما زالت هذه المدرة منذ خيم الإسلام بعقرتها إلى أن تقلص ظله عنها دار علم وتفكير وفضل غزير ونعيم وملك كبير، عدا ما تحلت به من مرجها النضير ومحرثها الذي ليس له نظير، وكانت دائما معقل عروبة ومركز عربية، وموطن بحث وتحقيق، ومحط تصنيف وتنميق، وفيها من كل نزعة عربية صحيحة وكل عرق في العرب عريق.
ومن مزاياها أنها متصلة بالبحر والجبل فلا يزال عيشها هنيئا، ولا يبرح سمكها طريئا، وجبنها طريئا، وإن لم يكن فيها سوى بساتينها التي لا يشبهها في الدنيا شيء سوى غوطة دمشق وما يقال عن شعب بوان وصغد سمرقند، وربما كانت رقعة بساتين بلنسية أرحب وكان مداها أطول؛ لأن المسافر يلبث في القطار الحديدي عدة ساعات لا يقع نظره إلا على دوح ملتف وجنان لا تكاد تنفذ خلالها الشمس إلى أن يصل المدينة، وهي اليوم البلدة الثالثة في إسبانية من جهة عدد السكان، وأهلها يزيدون على 233 ألف نسمة لا يفوقها سوى مجريط وبرشلونة، وهي مركز ولاية بلنسية، وفيها مدرسة جامعة ودار أسقفية، وبينها وبين البحر مسافة لا تزيد على أربعة كيلومترات، وبجانبها نهر يقال له: وادي الأبيار
Guadalaviar ، وقيل: وادي الأبيض، وإنما حرفه الإسبانيون عن لفظه الأصلي، وقد سبق نقلنا لما ذكره عن بلنسية صاحب نفح الطيب، بحيث لا نحتاج إلى التكرار وما أنشده من الشعر الذي قيل إنه في محاسنها، ويعجبني منه قول مروان بن عبد الله بن عبد العزيز أمير بلنسية يصف بلدته:
كأن بلنسية كاعب
وملبسها سندس أخضر
إذا جئتها سترت نفسها
بأكمامها فهي لا تظهر
وهو شعر مطابق للواقع؛ لأن المسافر لا يرى بلنسية حتى يصير في وسطها، وذلك من كثرة جنانها التي تغطيها، ومع هذا فالنظر يسرح منها إلى مسافة عشرين كيلومترا في الجبال التي إلى غربيها، ويرى قلعة مربيطر في شماليها وجبل القنت في الجنوب الشرقي منها، ولقبابها المرصعة بالزليج الأزرق والأبيض والمذهب منظر شائق تحت أشعة الشمس الحادة.
وكان الأقدمون يقولون: إن بلنسية قطعة سقطت من السماء. ونقل بديكر أن العرب كانوا يسمونها مدينة أبي طرب، وأنهم عندما فارقوها أكثروا من النواح عليها ورثوها بالقصائد، وأنشد شعرا بالإسبانيولي قال: إنه ترجمة نشيد عربي قاله العرب في بلنسية عندما فارقوها، ومعناه أنه كلما ظهرت محاسنها ازدادت الحسرة عليها. وسنأتي في هذا الكتاب على بعض ما قيل في بلنسية من المراثي.