تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم نعود إلى حصار القرطاجنيين لمربيطر، فنقول: إنهم توصلوا إلى خرق خط الحصار، ودخلوا من ثلمة في أسوار البلدة؛ فردهم الإسبانيون إلى الوراء بمساعدة الرومانيين، فكر القرطاجنيون كرات تشيب لها النواصي، وهدموا السور الأول، فشيد الإسبانيون أسوارا ثلاثة الواحد وراء الآخر، وكاد القرطاجنيون يقطعون الأمل من أخذ البلدة، وإذا بالرومانيين قد تخلوا عن الإسبان وتركوا ساحة الحرب، فبعد حصار استمر ثمانية أشهر دخل أنيبال قلعة مربيطر عنوة وقتل أكثر رجال هذه البلدة بذباب السيف؛ لأنهم على عادتهم في حروبهم يفضلون الموت على استسلامهم للعدو، وقد ورد وصف هذا الحصار في كتب باقية من عهد أنيبال أو حن بعل.

وقد استرجع الرومان مربيطر سنة 214، ولكن لم تعد إلى أهميتها الأولى، ولا نريد أن نقول: إن مربيطر كانت في زمن الرومان كمية مهملة، وكيف يمكن أن يقال ذلك وفيها ذاك المرزح الروماني الشهير للتمثيل، وفيها ملعب الخيل المدهش؟ وكانت مربيطر لعهد الرومان تضرب فيها السكة، وكانت بها معامل خزف هي مضرب الأمثال في نوعها.

فأما ملهى التمثيل الروماني الذي سارت بذكره الركبان، فموقعه على نصف المسافة بين أرض المدينة والقمة التي عليها القلعة، وقد لعبت بهذا الملهى أيدي العامة، فكانوا يبنون من حجارته، ولم تصدر أوامر الحكومة بالمحافظة عليه إلا في أواخر القرن التاسع عشر، فمحل التمثيل لم يبق منه تقريبا شيء، وإنما بقي أقباء رائعة عند المدخل وأجنحة من مقاعد المتفرجين، وهي مساحة تستوعب ثمانية آلاف مقعد على عدة صفوف تبلغ عشرة لكل صف منها درجات، وهي منفصلة بعضها عن بعض بثلاثة مماش كل ممشى أوسع من الآخر، والصفوف هي أوسع من العليا، وكانوا يصعدون إلى الطبقات العليا بأروقة رحبة ممتدة تحت درجات المقاعد بارتفاعات مختلفة، ولها مخارج نافذة إلى السلالم والمماشي الواسعة. وإن مسارح اللمحات التي تحيط بهذا الملهى من بدائع الطبيعة لتزيد في جماله.

فأما القلعة فيوصل إليها بجسر نقال يفاض منه إلى ساحة يقال لها ساحة أرماس

Armas ، وهناك باب اسمه باب محمد يؤدي من جهة الغرب إلى ساحة يقال لها غوبرنادور

Gobernador

واقعة في مطمئن من الأرض بين ارتفاعين؛ أحدهما إلى الغرب والثاني إلى الشرق، ثم يصعد المتفرج إلى حصن «سقونتوه» على نقطة فيه يقال لها: عمود اللواء

Palo De La Bandera ، وعلى جدران هذا الحصن نقوش وكتابات منها ما هو من زمن الرومان. والنظر يمتد من هناك على ساحل بني قاسم إلى جبل «مونغو» وجبال القنت، وترى من هذه القلعة قباب بلنسية، وفي الساحة المسماة مايو

Mayo

صهريج ماء كبير من صنع العرب، ويعود المتفرج إلى ساحة «غوبرنادور»، فيرى الهوة العميقة التي أمام مدخل القلعة، ثم يصعد من ناحية الشرق تدريجا إلى المنارة، وهي قلعة دارسة، ولكن منظرها بديع يسرح فيها الطرف من جهة البحر والساحل والمدينة، وهناك ساحة يقال لها ساحة إيكو

Eco

عندها آثار رومانية وإلى الجنوب صهاريج كبيرة يقال إنها من بناء الرومان، وهناك كنيسة يقال لها: سان سلفدور، أصلها جامع.

أما ملعب الخيل فإنه يمتد على ضفة وادي بلنسية طوله 285 مترا وعرضه 72 مترا، ولكن قد تحيفت منه البساتين، وفي القسم العالي منه نهير عليه جسر روماني.

وقد جاء ذكر مربيطر في معجم البلدان فقال: مربيطر - بالضم ثم السكون وباء موحدة مفتوحة وياء مثناة من تحت ساكنة وطاء مفتوحة وراء - مدينة بالأندلس بينها وبين بلنسية أربعة فراسخ، وفيها الملعب، وهو إن صح ما ذكروه من أعجب العجائب؛ وذلك أن الإنسان إذا صعد فيه نزل وإذا نزل فيه صعد.

ينسب إليها قاضيها ابن خيرون المربيطري، وسفيان بن العاصي بن أحمد بن عباس بن سفيان بن عيسى بن عبد الكبير بن سعيد الأسدي المربيطري، سكن قرطبة، يكنى أبا بحر، روى عن أبي عمر بن عبد البر الحافظ، وأبي العباس العذري وأكثر عنه، وعن أبي الليث نصر بن الحسن السمرقندي، وأبي الوليد الباجي وغيرهم، وكان من جلة العلماء وكبار الأدباء، سمع الناس منه كثيرا، ولقيه ابن بشكوال وحدث عنه، ومات لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة 520، ومولده سنة 440، انتهى كلام ياقوت الحموي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٨٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢٨٥