Chelva » قناة معلقة قديمة، وفي مكان آخر يقال له «كابان
Cabane » قنطرة قديمة، وهناك كتابات قديمة من أنواع شتى تدل على عظمة البلاد في الأعصر الغابرة. ثم إن هناك قرية يقال لها: فالس
Valles
تحيط بها عدة قرى كلها في مرج الفيح مشهور بالغلات لا سيما الحنطة، ثم تتقدم فتقطع نهرا يقال له نهر بلانسية
Palancia .
1
| هوامش
| مربيطر
لا يجري في الصيف عن يمينه الخط الحديدي الذاهب إلى قلعة أيوب، فتصير هناك إلى مدينة «ساقونتو
Sagonto »، وهي مدينة أهلها اليوم سبعة آلاف لا غير، واقعة على يمين نهر «بلانسية» بحذاء رابية شامخة مشمخرة منقطعة من جميع جهاتها مغطاة بالأبراج والأسوار، وكان العرب يقولون لهذه البلدة مرباطر أو مربيطر
Murbiter ، ومعنى هذه اللفظة «الأسوار القديمة»، وهي محرفة عن
Muriveteres ، وكان الإسبانيون إلى عهد قريب يسمونها مربيدرو
Murvidero ، ونحن لا نذكرها إلا تحت اسم مربيطر بعد أن توخينا في جميع كتابنا إحياء الأسماء العربية في الأندلس، وإيراد جميع الأسماء فيها على الوجه الذي كان يتلفظ به العرب.
فنقول: إن مربيطر كان يقال لها في القديم لعهد القرطاجنيين والرومان «ساقونتوم
Saguntum »، وهي بلدة أيبيرية في الأصل يقال: إنه كانت فيها جالية يونانية اتفقت مع الرومانيين على إدخالهم في هذه البلدة، وذلك قبل المسيح بمائتين وعشرين سنة، وكان لقرطاجنة مملكة عظيمة في إسبانية، فخاف أنيبال بن أميلكار خلف أسدروبال الأسد الرئبال
1
أن يتبسط الرومان في إسبانية، فزحف إلى مربيطر في ربيع سنة 219، فقاومه أهل مربيطر مقاومة شديدة، وجرح أنيبال في المعركة، وكان في جيش القرطاجنيين آلة قتال يقال لها الكبش، تقذف بالشرر، ولها رءوس محددة من كل جهة، فقلما كان العدو يثبت أمام هذا الكبش النطاح، إلا أن أهل مربيطر ثبتوا أمامه بشدة المقاومة التي امتاز بها الإسبانيون. ولا تزال هذه المزية تظهر فيهم في جميع حروبهم القديمة والحديثة، فإنهم يستبسلون في المقاومات استبسالا قلما يتحدث به التاريخ عن أمة من الأمم.
تأمل في الحروب الكارلوسية التي نشبت فيما بينهم، وفي الحرب التي وقعت بين الفرنسيس والإسبانيين عندما زحف بونابرت على إسبانية. وتأمل أيضا في الحرب الأهلية الواقعة بينهم اليوم بينما نحن نكتب هذه السطور سنة 1938م، كم استبسل فيها الفريقان: الحزب المحافظ من جهة، والحزب الاشتراكي والشيوعي من جهة أخرى، وكم احتقر الموت كل منهما. إنك إذا تأملت تقضي العجب من صلابة رءوس هذه الأمة واستخفافها بالمنايا في جانب حقدها وإحنتها، حتى إن الفريق المغلوب منها يؤثر الموت على الاستسلام وإن لم تبق في يده حيلة آثر أن يموت صبرا بيد عدوه على أن ينقاد إليه ويقبل حكمه. وهذا قد حير جميع الواقفين على وقائع هذه الحرب التي بدأت بين الإسبانيين؛ أي منذ عامين، وتفجرت فيها دماؤهم كالأنهار، وظهرت فيها من الفريقين قسوة في استئصال بعضهم بعضا لم يكن الناس يظنونها باقية فيهم إلى هذا العصر الذي رقت فيه الطباع، وتغيرت الأوضاع.
وكل هذا في الحقيقة يزيد في عظمة شأن العرب الذين غزوا هذه الأمة الشديدة الصليبة في عقر دارها، واكتسحوا بسائطها، وسخروا شم جبالها ورجالها، وأرغموا معاطس أجنادها وأبطالها، وضربوا عليهم الذلة والمسكنة من جبل طارق إلى جبال البرانس وإلى خليج غشقونية، ولبثوا عدة قرون وهم سادة هذه الأرض لا ينازعهم فيها منازع إلا كبوه على أم رأسه وعدة قرون أخرى وهم في جلاد شديد مستمر مع هذه الأمة الإسبانيولية، التي لا تعرف للموت معنى كما هو ظاهر من ماجريات الحرب التي نحن شاهدوها الآن، فلا جرم أن هذه الحرب أتت بشاهد جديد على فضل العرب إلى مدى لم يكن الناس يتصورونه من قبل، وأثبتت أن الأمة التي تأتي من وراء البحر وتتغلب على أمة صلبة العود كهذه الأمة، وتقارعها مدة ثمانمائة سنة في وسط دارها لهي أمة خارقة العادة في البأس وقوة الإرادة.