قال القاضي أبو علي الحسين الصدفي: صحبته بالأندلس عند الباجي، ولقيته بمكة، وأخذت عنه أكثر السنن لأبي داود عن التستري، ثم دخل بغداد وأنا بها فكان يقنع بشظف من العيش، وكانت له نفس أبية، أخبرت أنه كان ببيت المقدس يطبخ في شقف
4
وكان مجانبا للسلطان؛ استدعاه فلم يجبه، وراموا الغض من حاله فلم ينقصوه قلامة ظفر، وله تأليف وشعر، فمن شعره في بر الوالدين:
لو كان يدري الابن أية غصة
يتجرع الأبوان عند فراقه
أم تهيج بوجدها حيرانة
وأب يسح الدمع من آماقه
يتجرعان لبينه غصص الردى
ويبوح ما كتماه من أشواقه
لرئي لأم سل من أحشائها
وبكى لشيخ هام في آفاقه
ولبدل الخلق الأبي بعطفه
وجزاهما بالعذب من أخلاقه
وطلبه الأفضل صاحب مصر فأقدمه من الإسكندرية إلى مصر، وألزمه الإقامة بها وأزكن
5
عليه أن لا يفارقها إلى أن قيد الأفضل فصرف إلى الإسكندرية، فرجع بحالته إلى أن توفي بها سنة 520.
وجاء في صبح الأعشى عن طرطوشة ما يلي: قال في تقويم البلدان بضم الطاءين المهملتين وبينهما راء ساكنة مهملة ثم واو ساكنة وشين معجمة وهاء في الآخر. وهي مدينة في شرق الأندلس موقعها في الإقليم الخامس من الأقاليم السبعة. قال ابن سعيد: حيث الطول اثنتان وعشرون درجة وثلاثون دقيقة والعرض أربعون درجة. قال: وهي من كراسي ملك شرق الأندلس. وهي شرقي بلنسية في الجهة الشرقية من النهر الكبير الذي يمر على سرقسطة، ويصب في بحر الزقاق على نحو عشرين ميلا من طرطوشة. قال: وشرقي طرطوشة (جزيرة مايرقة) في بحر الزقاق وإلى طرطوشة هذه ينسب «الطرطوشي» صاحب «سراج الملوك». ا.ه.
ثم ورد ذكر طرطوشة في صبح الأعشى في باب التاريخ عندما ذكر بني هود فقال: وكان من ممالك بني هود هؤلاء طرطوشة، وقد كان ملكها مقاتل أحد الموالي العامريين سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة، ومات سنة خمس وأربعين، وملكها بعده يعلى العامري ولم تطل مدته.
وملكها بعده نبيل أحدهم إلى أن نزل عنها لعماد الدولة أحمد بن المستعين (بن هود) سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة، فلم تزل في يده ويد بنيه بعده إلى أن غلب عليها العدو المخذول في ما غلب عليه من شرقي الأندلس. ا.ه.
وأما الشريف الإدريسي فقد مر في الجزء الأول [فصل: أقوال العرب عن جغرافية الأندلس - قول الشريف الإدريسي] ذكره لطرطوشة
6
فيما ذكر من مدن الأندلس ماشيا عليها بالترتيب، فهو يقول: ومدينة طرطوشة مدينة على سفح جبل، ولها سور حصين، وبها أسواق وعمارات وصناع وفعلة وإنشاء المراكب الكبار من خشب جبالها، وبجبالها يكون خشب الصنوبر الذي لا يوجد له نظير في الطول والغلظ، ومنه تتخذ السواري والقرى وهذا الخشب الصنوبر الذي بجبال هذه المدينة أحمر صافي البشرة دسم لا يتغير سريعا، ولا يفعل فيه السوس ما يفعله في غيره، وهو خشب معروف منسوب. ومن طرطوشة إلى موقع النهر في البحر 12 ميلا، ومن مدينة طرطوشة إلى مدينة طركونة 50 ميلا. ا.ه.
قلنا: بين طرطوشة وطركونة مسافة 84 كيلومترا. وطرطوشة اليوم تابعة لمقاطعة طركونة، فهي من كتلونية، وبين طرطوشة وبرشلونة 176 كيلومترا. وبينها وبين بلنسية 192 كيلومترا، وبين طرطوشة ومصب نهر إبره مثلث من الأرض مشهور بالخصب. قال المسعودي في مروج الذهب: وبقي ثغر المسلمين في هذا الوقت، وهو سنة ست وثلاثين وثلاثمائة من شرقي الأندلس طرطوشة، وعلى ساحل بحر الروم مما يلي طرطوشة آخذا في الشمال «أفراغه»، على نهر عظيم، ثم لاردة، ثم بلغني عن هذه الثغور أنها تلاقي الإفرنجة، وهي أضيق مواضع الأندلس.
ذكر من نبغ من أهل العلم في طرطوشة
أشهر من انتسب إلى طرطوشة من العلماء هو ابن أبي رندقة الطرطوشي، المتوفى في الإسكندرية صاحب سراج الملوك؛ قال أحمد بن يحيى بن أحمد بن عميرة الضبي: محمد بن الوليد بن رندقة الطرطوشي أبو بكر، فقيه، حافظ إمام، محدث ثقة، زاهد فاضل، عالم عامل، رحل إلى العراق، وقد تفقه بالأندلس، وصحب أبا وليد الباجي مدة. أخبرني غير واحد عن الحافظ أبي بكر بن العربي، قال: سمعت الحافظ أبا بكر الطرطوشي يقول: لم أرحل من الأندلس حتى تفقهت ولزمت الباجي مدة، فلما وصلت إلى بغداد دخلت المدرسة العادلية فسمعت المدرس بها يقول: مسألة إذا تعارض أصل وظاهر فبأيهما يحكم؟ فما علمت ما يقول ولا دريت إلى ما يشير حتى فتح الله وبلغ بي ما بلغ.