تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أقام في رحلته مدة ثم انصرف يريد مصر، وكان له غرض في الاجتماع مع أبي حامد الغزالي، فجعل طريقه على البيت المقدس، فلما تحقق أبو حامد أنه يؤمه حاد عنه، ووصل الحافظ أبو بكر فلم يجده. فقصد جبل لبنان وأقام هناك مدة، وصحب به رجلا يعرف بعبد الله السائح من أولياء الله المنقطعين إلى الله تعالى. ثم أراد الحافظ أبو بكر أن يقصد أرض مصر، فعرض على أبي محمد عبد الله السائح صحبته والمشي معه، وقال له: أنت ههنا بمعزل لا تلقى أحدا ولا يلقاك أحد، وإن مت لم تجد من يواريك، وفي مخالطة الناس ومقابلتهم ونشر العلم وحضور الجماعة في الجمعة ما لا يخفى عليه، فقال له عبد الله: أنا ههنا آكل الحلال وأعيش في المباح من ثمر هذه الأشجار، ولا أجد في غير هذا الموضع من المباح ما أجد فيه.

فقال له الحافظ أبو بكر: إن تنظر مصر تنظر موضعا يعرف برشيد فيه شيئان مباحان: الملح والحطب، نقيم به، ويكون عيشنا من هذين المباحين، فقال له عبد الله: أنت لا يتركك الناس، وأفارق موضعي وأفارقك. فعاهده أن لا يفارقه، وركبا الطريق إلى مصر حتى وصلا رشيد، وأقاما هناك إذا احتاجا إلى قوت تحوجا من حطب أو ملح فباعا ما يحملانه من ذلك على ظهورهما وتقوتا بثمنه.

وبقيا هناك مدة إلى أن قتل العبيدي صاحب مصر جماعة من فقهاء أهل الإسكندرية لسبب يطول شرحه، ولم يبق بها من يشار إليه، وسمع أهل الإسكندرية بكون الفقيه برشيد فركب إليه قاضيها ابن حديدة وجماعة من أهلها، فلما وصلوا إلى رشيد سألوا عنه فلم يجدوا من يعرفه إلا بعض الفقراء هناك قال لهم: أنا أدلكم عليه. اقعدوا هنا فكأن به قد وصل، فقعدوا ساعة، ووصل الفقيه من الشعراء وعلى ظهره حزمة حطب وصاحبه معه، فقال لهم: هذا هو، ووضع الحزمة بالأرض. فأخبروه بما طرأ عليهم في الإسكندرية وباحتياج أهلها إليه، وبما له في قصدهم من الأجر، فقال لهم: قد علمت ذلك، ولكني لا أفارق صاحبي هذا بوجه - وأشار إلى عبد الله السائح - لأني سقته من موضعه وعاهدته أن لا أفارقه، فدونكم فإن ساعدني فأنا ناهض معكم، فكلموه فقال: أنا لا أمنعه لكني أقيم هنا. فقال الحافظ أبو بكر: وأنا لا أفارقه. فتضرعوا إلى عبد الله، فقال لهم: أنا هنا أعيش في الحلال وآكل المباح ولا أجد هذا عندكم. فقال له القاضي: إن صاحب صقلية - دمره الله - يؤدي جزية في كل عام لأهل الإسكندرية ثلاثمائة قفيز من الشعير وكذا وكذا، فخذ الشعير تتقوت به وتصرفه في منافعك. فقال: أنا لا أحتاج إلى أكثر من رغيف في كل ليلة. فضمنوا له ذلك.

وأقبلا معهم إلى الإسكندرية، ووفوا لأبي محمد السائح بما قالوا، ووضعوا له من الشعير عدة أرغفة، ووضعوها له في حبل، فكان يفطر كل ليلة منها على رغيف ويلزم بيته لا يبرح منه. واشتمل أهل الإسكندرية على الحافظ أبي بكر، وقعد للتدريس، ونفع الله به كل من قرأ عليه، وانتشر علمه.

وكانت بالإسكندرية امرأة متعبدة هي خالة أبي الطاهر بن عوف، فخطبته، وتزوجها وبنى بها في المدرسة، وكان لها ابن من أهل الدنيا كثير التخليط، فصعب ذلك عليه وعمد إلى خنجر واستتر في المدرسة، فلما ابهار

7

الليل قصد البيت الذي كانت فيه أمه مع الفقيه فلم يجد فيه أحدا، ووجد كل واحد منهما قد قام إلى ورده، وسمع صوت الفقيه يقرأ في الصلاة فأم الصوت وخنجره في يده، فلما قرب منه وهو عازم على قتله حالت بينه وبينه سارية من سواري المدرسة، وضرب فيها بوجهه وخر مغشيا عليه والفقيه لا يشعر، فلما طلع الفجر نزل إلى المدرسة فصلى الصبح ودرس وتصرفت زوجه في أثناء ذلك، فوجدت ابنها مجدلا لا يعقل، فكلمته فلم يكلمها.

فلما فرغ الفقيه من التدريس صعد إلى منزله فأعلمته زوجه بمكان ابنها؛ فصعد نحوه فوجده على تلك الحال؛ فجر يده على وجهه وتفل وتكلم بكلمات ففتح عينيه، فلما أبصر الفقيه قال له: هات يدك؛ فأنا تائب إلى الله تعالى، والله لا عصيته بعد اليوم أبدا ولا تركتك في هذا الموضع، انتقل إلى دار أهلك فاسكنها؛ ففعل وحسنت توبة الابن بعد ذلك.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٧٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢٧٧