تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي سنة 452 للهجرة وفق 1060 للمسيح ثارت طرطوشة بأميرها نبيل الصقلبي، فاضطر أن يلجأ إلى المقتدر بن هود صاحب سرقسطة؛ فبقيت هذه المدينة في أيدي ملوك بني هود إلى أن تقلص ظل الإسلام عنها، وكان النصارى استولوا عليها سنة 512 هجرية وفق 1118 مسيحية، ثم أخرجهم المسلمون منها إلى أن ضاق النصارى ذرعا بغارات المسلمين البحرية التي كان أكثرها صادرا عن طرطوشة بمكانها مركزا عظيما لقرصان المسلمين، فصمم ريموند بيرانجه

Raymond Béranger

الرابع صاحب برشلونه على أخذ طرطوشة، ووافته نجدات من فرسان الهيكليين الصليبيين وأساطيل بيزه وجنوة من إيطالية، فاقتحموا البلدة برا وبحرا واستولوا عليها في 14 شعبان سنة 543 وفق 30 ديسمبر سنة 1148، وهي السنة التي استولى فيها النصارى على لاردة وإفراغه،

2

فكر المسلمون على طرطوشة وكادوا يفتحونها فدافع الإسبان عنها أشد دفاع، وظهر من النساء ذلك اليوم استبسال نادر المثال حتى قيل: إنهن كن السبب في حفظ طرطوشة من الوقوع في يد الإسلام؛ فلذلك منحهن بيرانجه وساما اسمه وسام الفاس، وهو عبارة عن شريطة حمراء يحملنها ويتبخترن بها، وكذلك أعطين حق التقدم على الرجال في حفلات الزواج.

وكان خلفاء بني أمية شديدي الاعتناء بطرطوشة. نقل ابن عبد المؤمن الحميري أنهم حصنوها بأسوار منيعة وجعلوا لها أربعة أبواب وعمرت في أيامهم عمرانا ذا بال، وبنى فيها الخليفة الناصر عبد الرحمن سنة 333 وفق 945 دار صنعة للسفن لا يزال تاريخ إنشائها منقوشا على الحجر.

3

وكان في طرطوشة مسجد جامع بخمسة صفوف من الأقواس ذكر لاوي بروفنسال أنه مبني من سنة 345 للهجرة، ولكن رأيت في دليل بديكر أن الكنيسة الكاتدرائية في طرطوشة هي من بناء مطران اسمه «غوفريده»، اشتغلوا في بنائها من سنة 1158 إلى 1178، وذلك في مكان مسجد بناه الخليفة الناصر سنة 914، والأقرب أن يكون هذا المسجد هو المسجد الجامع، هذا إلا إذا كان هناك مسجد آخر بناه الناصر.

وعلى كل حال فلا يزال في صومعة الثياب الكهنوتية إلى اليوم كتابة كوفية تتعلق ببناء هذا المسجد. وفي هذه الصومعة أيضا خوذة عربية، ثم إن قبة الجرس التي في هذه الكنيسة هي مئذنة المسجد باقية كما كانت. وكان بنو أمية بنوا في طرطوشة مباني أخرى منها أربعة حمامات عمومية وكانت أرباضها في غاية العمران.

قال لاوي بروفنسال: إذا نظرنا إلى العلماء الذين يحملون لقب «الطرطوشي» حكمنا بأن هذه البلدة بقيت مدة طويلة مركزا لامعا بأنوار العلوم الإسلامية، ثم ذكر أشهر العلماء المنسوبين إلى طرطوشة، وهو أبو بكر محمد بن الوليد الفهري الطرطوشي المعروف بابن رندقة، ولد في طرطوشة سنة 451، وتوفي في الإسكندرية سنة 520، وهو صاحب كتاب «سراج الملوك». قال ياقوت في معجم البلدان: طرطوشة بالفتح ثم السكون ثم طاء أخرى مضمومة وواو ساكنة وشين معجمة: مدينة بالأندلس تتصل بكورة بلنسية، وهي شرقي بلنسية، وقرطبة قريبة من البحر متقنة العمارة مبنية على نهر أبرة ولها ولاية واسعة وبلاد كثيرة تعد في جملتها، تحلها التجار ويسافر منها إلى الأمصار، واستولى عليها الإفرنج في سنة 543، وكذلك على جميع حصونها، وهي في أيديهم إلى الآن. وينسب إليها أحمد بن سعيد بن ميسرة الغفاري الأندلسي الطرطوشي، كتب الحديث الكثير من علي بن عبد العزيز ومحمد بن إسماعيل الصايغ وغيرهما، وحدث ورحل في طلب العلم ومات بالأندلس سنة 322، وأبو بكر محمد بن الوليد بن محمد بن خلف الفهري الطرطوشي الفقيه المالكي، مات في خامس عشر جمادى الأولى سنة 520، ويعرف بابن أبي رندقة، هذا الذي نشر العلم بالإسكندرية، وعليه تفقه أهلها، قاله أبو الحسن المقدسي في كتاب «الرقيات» له، وذكره القاضي عياض في مشيخة أبي علي الصدفي، فقال: محمد بن الوليد الفهري الإمام الورع أبو بكر الطرطوشي المالكي يعرف ببلده بابن أبي رندقة براء ونون ساكنة ودال مهملة وقاف مفتوحتين. نشأ بالأندلس وصحب القاضي أبا الوليد الباجي، وأخذ عنه مسائل الخلاف، ثم رحل إلى الشرق، ودخل بغداد والبصرة، فتفقه عند أبي بكر الشاشي وأبي سعيد بن المتولي وأبي أحمد الجرجاني أئمة الشافعية، ولقي القاضي أبا عبد الله الدامغاني، وسمع بالبصرة من أبي علي التستري والسيعداني، وسمع ببغداد من أبي محمد التميمي الحنبلي وغيرهم، وسكن الشام مدة ودرس بها، وبعد صيته، وأخذ عنه الناس هناك علما كثيرا، ثم نزل الإسكندرية واستوطنها.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢٧٥