ثم يتلوه الجزء السابع في التاريخ من أول الفتح إلى آخر دولة بني أمية، ثم الجزء الثامن من بداية ملوك الطوائف إلى انقضاء دولة المرابطين، ثم دولة الموحدين إلى انتهائها. ويأتي بعده الجزء التاسع الذي سيكون الكلام فيه على سلطنة غرناطة إلى حد سقوطها.
ويتلوه جزء خاص بتاريخ عرب إسبانية المدجنين الذين كان يقال لهم الموريسك، وهم المسلمون الذين أقاموا تحت الحكم النصارى إلى أن طردوهم أخيرا قاطبة، وذلك في نواحي سنة 1612، وربما يدخل في هذا الجزء رسالتنا على جزائر الباليار ميورقة وأخواتها. هذا هو رسم كتابنا الأندلسي الذي توخينا أن يكون أوسع كتاب في هذا الباب، سائلين المولى - عز وجل - أن يفسح في الأجل ويأخذ باليد لإنجازه.
شكيب أرسلان
جنيف محرم الحرام سنة 1358
| مملكة بلنسية ومرسية
من عادة المؤرخين والجغرافيين أنهم إذا وصلوا إلى ذكر مملكة بلنسية وساحل إسبانية الشرقي يذكرون معها جزائر الباليار التي هي ميورقة وميتوزقة ويابسة، ومنهم من يذكر هذه الجزائر مع كتلونية؛ لأنها مصاقبة من الجهة الشمالية لكتلونية كما هي من الجهة الجنوبية مصاقبة لبلنسية. ونحن اخترنا أن نفرد لهذه الجزائر جزءا مستقلا من الحلل السندسية تحت اسم «الأصول المعرقة والغصون المورقة في محاسن جزيرة ميورقة»، فنذكر هذه الجزيرة وأخواتها ونطوف بجغرافيتها وتاريخها وجميع أخبارها، ونعرج على آثارها ونتكلم على رحلتنا إليها، ونترجم من نبغ فيها من العلماء والأدباء، واشتهر من الأمراء والعظماء، سواء كانوا من العرب أو من الإسبانيين؛ فلذلك سنمضي الآن في ذكر مملكة بلنسية وتوابعها مبتدئين بمدينة طرطوشة التي هي آخر كتلونية من جهة الجنوب وأول البلاد التابعة لبلنسية من جهة الشمال.
وقد كانت طرطوشة في الماضي - وبقيت مدة طويلة - هي الحد الفاصل بين المسلمين والنصارى. وكان يقيم بها في أيام الخلافة الأموية مندوب من قبل الخليفة ينظر في أمور الداخلين من بلاد الإفرنج إلى المملكة الإسلامية، فعلى يده يكون التسريح في الدخول والخروج. وممن تولوا هذه الخطة القاضي منذر بن سعيد البلوطي الشهير لعهد الخليفة الناصر عبد الرحمن.
| طرطوشة
وطرطوشة
tortosa
1
اليوم مدينة متوسطة واقعة على ضفة نهر أبره الذي ينحدر على مقربة منها إلى البحر، وعدد سكانها نحو من 28 ألف نسمة، وهي مركز أسقفية، وقد كان يقال لها في زمان الرومانيين: «درتوزه
Dertosa »، وكان لها أيضا اسم آخر، وهي مستعمرة «جولية السعيدة
Colonia Julia Augusta »، وكان لها حق في سك العملة، وبالنظر لموقعها الجغرافي كانت لها دائما أهمية بين المدن الإسبانية، لا سيما أنه بالقرب منها غابات من الصنوبر المتين الصالح لإنشاء السفن، فلا تخلو طرطوشة أبدا بهذا السبب من دار صنعة بحرية. وقد استولى عليها العرب في بداية الفتح ولكن الإفرنج جاءوا بعد استيلائهم على كتلونية فهاجموا طرطوشة لاستردادها، وفي سنة 809 للمسيح حاصرها الملك لويس الحليم بن شارلمان، فعجز عنها؛ فانكفأ عن حصارها ثم عاودها بعد سنتين ففتحها، ثم عاد العرب فاسترجعوها. وعلى طرطوشة وقعت الوقائع بين لويس الحليم بن شارلمان والحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل الأموي، الذي أرسل ولده عبد الرحمن بجيش أخرج منها الإفرنج.
قال لاوي بروفنسال في الانسيكلوبيدية الإسلامية: إنه نظرا لوجود طرطوشة في طرف بلاد المسلمين كان الخلفاء يجعلونها منفى لمن يكرهون إقامته في داخل المملكة. قال: وإليها نفى المنصور بن أبي عامر عبد الملك بن إدريس الجزيري. ولما تشظت عصا الخلافة ونجمت ملوك الطوائف، صارت طرطوشة إمارة مستقلة قام بها نبيل الصقلبي من المماليك العامرية، واستولى نبيل هذا أيضا على بلنسية لكن لم يطل أمره بها. وكان قبل نبيل تولى عليها الفتى لبيب وفتى آخر اسمه مقاتل لقب نفسه بسيف الدولة.