تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولما فرغ القوم من مبايعة أخيه السلطان يوسف، صرفت الوجوه إلى دار الملك ونقل القتيل إلى مالقة، فدفن على حاله تلك، برياض تجاور منية السيد، فكانت وفاته ضحوة يوم الأربعاء الثالث عشر من ذي حجة عام ثلاثة وسبعمائة. وأقيمت عليه بعيد زمان قبة، نوه بقبره، وهو الآن ماثل بها رهن وحدة، ومستدعى عبرة، وعليه مكتوب:

هذا قبر السلطان الأجل، الملك الهمام، الأمضى الباسل، الجواد، ذي المجد الأثيل، والملك الأصيل، المقدس المرحوم، أبي عبد الله، محمد ابن السلطان الجليل الكبير الرفيع، الأوحد المجاهد الهمام، صاحب الفتوح المستورة، والمغازي المشهورة، سلالة أنصار النبي

صلى الله عليه وسلم ، أمير المسلمين، وناصر الدين الشهيد المقدس، المرحوم أبي الوليد بن فرج بن نصر، قدس الله روحه، وبرد ضريحه. كان مولده في الثامن لمحرم عام خمسة عشر وسبعمائة، وبويع في اليوم الذي استشهد فيه والده، رضي الله عنه السادس والعشرين لرجب عام خمسة وعشرين وسبعمائة، وتوفي في الثالث عشر لذي حجة من عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة، فسبحان من لا يموت.

يا قبر سلطان الشجاعة والندى

فرع الملوك الصيد أعلام الهدى

وسلالة السلف الذي آثاره

وضاحة لمن اقتدى ومن اهتدى

سلف الأنصار النبي نجاره

قد حل منه في المكارم محتدا

متوسط البيت الذي قد أسسته

سادة الأملاك أوحد أوحدا

بيت بنوه محمدون ثلاثة

من آل نصر أورثوه محمدا

أودعت وجها قد تهلل حسنه

بدرا بآفاق الجلالة قد بدا

وندى يسح على العفاة مواهبا

مثنى الأيادي السابغات وموحدا

يبكيك مذعور، بك استعدى على

أعدائه فسقيتهم كأس الردى

يبكيك محتاج أتاك مؤملا

فغدا وقد شفعت يداك له اليدا

أما سماحك فهو أهمى ديمة

أما جلالك فهو أسمى مصعدا

جادت ثراك من الإله سحائب

لرضاه عنك تجود هذا المعهدا

وتبعت هذا السلطان نفوس أولي الحرية، ممن له طبع رقيق، وحس لطيف ووفاء كريم، فصدر فيه من التأبين أقاويل للشجون مهيجة، فمن ذلك ما نظمه الشيخ القاضي أبو بكر بن شيرين، وكان على ظرفه وحسن روائه غراب ندبة، ونائحة مأتم، يرثيه، ويتعرض ببعض من حمل عليه من خدامه:

استقلا ودعاني

طائفا بين المغاني

وانعما بالصبر إني

لا أرى ما تريان

قضي الأمر الذي في

شأنه تستفتيان

ومضى حكم إله

ما له في الملك ثان

مات يوم السلم قعصا

مدره الحرب العوان

واستبيح الملك ابن الملك

الحر الهجان

يا خليلي أعينا

ني على شجو عناني

واذكر سابغة النعمة

فيما تذكران

وإذا صليتما يوما

عليه آذنان

ما علمنا غير خير

فاقضيا ما تقضيان

لا نبالي ما سمعنا

من فلان وفلان

غير ما قالوا اعتقدنا

وعلينا شاهدان

وغدا يجمعنا المو

قف من قاص ودان

ورضى الله هو المطلوب

في كل أوان

وأخو الصدق لعمري

ذو مقامات حسان

وهوى النفس عناء

حائل دون المعاني

وعلى البغضاء يطوى

ود إخوان الخوان

بأبي والله أشلاء

على الرمل حوان

بفتى ما كان بالوا

ني ولا بالمتواني

يمزج الماء نجيعا

وينادي: عللاني!

ليس بالهيابة النكس

ولا الغمر الهدان

أبيض الوجه تراه

والردى أحمر قان

أي سيف لضراب

أي رمح لطعان

ذو نجار خزرجي المنت

مى سامي المكان

ذكره قد شاع في الأرض

إلى أقصى عمان

لا تراه الدهر إلا

حلف سرج أو عنان

عن صهيل الخيل لا يلهيه

تعزاف القيان

إن ألمت هيعة طار

إليها غير وان

يصدع الليل بقلب

ليس بالقلب الجبان

يا لها من نصبة لولا

نحوس في القران

وشباب عاجلوه

بالردى في العنفوان

لم يجاوز من سنيه

العشر إلا بثمان

دوخ الأقطار غزوا

من هضاب ومحان

حكموا فيه الظبي

أسرع من لمح العيان

إن يكونوا غادروه

في الثرى ملقى الجران

تشرب الأرض دما منه

تهاداه الغواني

وتحييه بتسليم

ثغور الأقحوان

فالمعالي أودعته

بين سحر ولبان

وغوادي المزن

يرضعن ثراه بلبان

ضاع سرح الثغر لما

أغمد السيف اليماني

وأعير الأسد الورد

القميص الأرجواني

عاطياني أكؤس الحزن

عليه عاطياني

حمله دون صلاة

للثرى مما شجاني

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٧٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢٧٢