تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عز العزاء فما الذي نبديه

في الحزن إلا بعض ما نخفيه

يا أيها الفادي يحث فأوصه

إبه عن الخبر المرجم إبه

أودى أمير المسلمين فكيف لا

نأسى عليه، وكيف لا نبكيه؟!

قد كان للإسلام عين بصيرة

فأصابت الإسلام عين فيه

| هوامش

الفصل الثالث والأربعون

| السلطان

محمد بن إسماعيل بن فرج بن إسماعيل بن يوسف بن محمد بن أحمد بن محمد بن خميس بن نصر بن قيس الخزرجي أمير المسلمين بالأندلس بعد أبيه، يكنى أبا عبد الله.

حاله:

كان معدودا من نبلاء الملوك وأبناء الملوك صرامة، وعزة، وشهامة، وجمالا،

وخصلا، عذب الشمائل، حلوا، لبقا، لوذعيا هشا، سخيا . المثل المضروب في الشجاعة المقتحمة حد التهور، حلس ظهور الخيل، أفرس من جال على صهوة، لا تقع العين - وإن غصت الميادين - على أدرب بركض الجياد منه، مغرما بالصيد، عارفا بسمات الشفار، وشيات الخيل، يحب الأدب، ويرتاح إلى الشعر، وينبه على العيون، ويلم بالنادرة الحارة.

أخذت له البيعة يوم مهلك أبيه، يوم الثلاثاء السابع والعشرين لرجب عام خمسة وعشرين وسبعمائة، وناله الحجب، واشتملت عليه الكفالة إلى أن شدا وظهر، وشب عن الطوق، وفتك بوزيره المتغلب على ملكه وهو غلام، لم يبقل خده، فهيب شباه، ورهبت سطوته، وبرز لمباشرة الميادين، وارتياد المطارد، واجتلاء الوجوه، فكان ملء العيون والصدور.

ذكاؤه:

حدثني ابن وزير جده، القائم أبو القاسم بن محمد بن عيسى قال: تذكروا يوما بحضرته تباين قول المتنبي:

أيا خدد الله ورد الخدود

وقد قدود الحسان القدود

وقول امرئ القيس:

وإن كنت قد ساءتك مني خليقة

فسلي ثيابي من ثيابك تنسل

وقول إبراهيم بن سهل:

إني له عن دمي المسفوك معتذر

أقول حملته من سفكه تعبا

فقال رحمه الله بديها، على حداثته: «بينهم ما بين نفس ملك عربي، وشاعر عربي، ونفس يهودي تحت الذمة، وإنما تتنفس النفوس بقدر هممها.»، أو ما معناه هذا.

همته:

لما نازل مدينة قبره، ودخلها عنوة وهي ما هي عند المسلمين والنصارى من الشهرة والجلالة، بادرنا نهنئه بما تسنى له، فزوى عنا وجهه قائلا: «وماذا تهنوني به كأنكم رأيتم تلك الخرقة الكذا - يعني العلم الكبير - في منار أشبيلية!» فعجبنا من بعد همته، ومرمى أمله.

الشجاعة:

أقسم أن يغير على باب مدينة بيانه في عدة يسيرة من الفرسان. عينتها اليمين فوقع البهت، وتوقعت الفاقرة، لقرب الصريخ ومنعة الحوزة، وكثرة الحامية، ووفور الفرسان، وتنخل أهل الحفاظ، وهجم عليها فانتهى إلى بابها وحمل على أضعافه من الحامية فألجأهم إلى المدينة، ورمى يومئذ أحد النصارى بمزراق محلي السنان، رفيع القيمة فأثبته، وتحامل الطعين يريد الباب، فمنع من الإجهاز عليه، وانتزاع الرمح الذي كان يجره خلفه وقال: «اتركوه يعالج به جرحه، إن أخطأته المنية .» فكان كما قال الشاعر في مثله - أنشدناه أبو عبد الله بن الكاتب:

ومن جوده يرمي العداة بأسهم

من الذهب الإبريز صيغت نصولها

يداوي بها المجروح منها جراحه

ويتخذ الأكفان منها قتيلها

جهاده ومناقبه:

نازل حصن قشرة لأول أمره، وهد سوره، وكاد يتغلب عليه، لولا مدد دخله فارتحل وقد دوخ الصقع.

ونازل قبره وافتتحها، وهزم جيش العدو الذي بيت محلته بظاهرها. وتخلص جبل الفتح، وهي أعظم مناقبه، وقد نازله الطاغية، وأناخ عليه بكلكله، وهد بالمجانيق أسواره، فدارى الطاغية، واستنزل عزمه، وتاحفه، إلى أن صرفه عنه، ففازت به قداح الإسلام.

بعض الأحداث:

وفي شهر محرم من عام سبعة وعشرين وسبعمائة نشأت الوحشة بين وزيره المتغلب على أمره محمد بن أحمد المحروق، وبين شيخ الغزاة عثمان بن أبي العلي، فصبت على المسلمين شؤبوب فتنة، عظم فيهم أثرها، فخرج مغاضبا، وهم للانصراف عن الأندلس، ولحق بساحل المرية، ثم داخل أهل حصن الدرش، فدخل في طاعته، واستضاف إليه ما يجاوره، فأعضل الداء، وغامت سماء المحنة، واستلحق المذكور عم السلطان من تلمسان محمد بن فرج بن إسماعيل، فلحق به وقام بدعوته في أخريات صفر من عام سبعة وعشرين وسبعمائة، وكانت بينهم وبين جيش الحضرة وقعات تناصفوا فيها الظفر. واغتنم الطاغية فتنة المسلمين، فخرج غرة شعبان من العام ونازل ثغر وبرة ركاب الجهاد، فتغلب عليه، واستولى على جملة من الحصون التي تجاوره فاتسع نطاق الضر، وأعيا داء الشر، وصرفت إلى نظر السلطان ملك الغرب في أخريات العام رندة، ومربلة، وما إليهما، وأجلت الحال عن مهادنة عثمان بن أبي العلى. وصرف المستدعي لدعوته إلى العدوة، وعبر هذا الأمير رحمه الله البحر بنفسه مستصرخا ومستدعيا للجهاد، في الرابع والعشرين من شهر ذي حجة عام اثنين وثلاثين وسبعمائة ووفد على ملكه السلطان الشهير أبي الحسن علي بن عثمان بن يعقوب بن عبد الحق مستصرخا إياه، فأعظم وفادته، وأكرم نزله، وأصحبه إلى الأندلس ولده، وحباه بما لم يحب به ملك تقدمه، من مقربات الخيل، وخطير الذخيرة، ومستجاد العدة، ونازل على أثره جبل الفتح، وهيأ الله فتحه، ثم استنقاذه بلحاق السلطان، ومحاولة أمره، فتم ذلك يوم الثلاثاء الثاني عشر من شهر ذي حجة عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٧٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢٧٠