وأخذت الظنة قوما من أبريائهم، فاستحلفوا ونهبت الغوغاء دورهم وعلقت بالجدران أشلاؤهم، واحتمل السلطان إلى بعض دوره وبه رمق، للزوق العمامة بفوهة ودجه المبتور، ففاض لحينه رحمه الله. ودفن غلس ليلة يوم الثلاثاء ثاني يوم وفاته، بروضة الجنان من قصر إلى جانب جده، وتنوهي في احتفال قبره نقشا وتنجيدا وإحكاما وحليا وتمويها، بما يشذ عن الوصف، وكتب على قبره نقشا من الرخام:
هذا قبر السلطان الشهيد، فتاح الأمصار، وناصر ملة المصطفى المختار، ومحيي سبيل آبائه الأنصار، الإمام العادل، الهمام الباسل، صاحب الحرب والمحراب، الطاهر الأنساب والأثواب، أسعد الملوك دولة وأمضاهم في ذات الله صولة، سيف الجهاد، ونور البلاد الحسام المسلول في نصرة الإيمان، والفؤاد المعمور بخشية الرحمن، المجاهد في سبيل الله، المنصور بفضل الله، أمير المسلمين أبي الوليد إسماعيل بن الهمام الأعلى، الطاهر الذات والنجار الكريم المآثر والآثار، كبير الإمامة النصرية، وعماد الدولة الغالبية، المقدس المرحوم أبي سعيد، فرج بن علم الأعلام، وحامي حمى الإسلام، صنو الإمام الغالب، ظهيره العلي المرابت، المقدس المرحوم أبي الوليد إسماعيل بن نصر، قدس الله روحه الطيب، أفاض عليه غيث رحمته الصيب، ونفعه بالجهاد والشهادة، وحباه بالحسنى والزيادة، وصنع له في فتح البلاد، وقتل كبار ملوك الأعادي، ما يجده مذخورا يوم التناد، إلى أن قضى الله بحضور أجله، فختم عمره بخير عمله، وقبضه إلى ما أعد له من كرامته وثوابه، وغبار الجهاد غطى أثوابه، استشهد رحمه الله غدرة أثبتت له في الشهداء من الملوك قدما، ورفعت له في أعلام السعادة علما، ولد رضي الله عنه في الساعة المباركة بين يدي الصبح من يوم الجمعة، سابع عشر شهر شوال عام سبعة وسبعين وستمائة، وبويع يوم الخميس السابع وعشرين لشوال عام ثلاثة عشر وسبعمائة، واستشهد في يوم الاثنين السادس والعشرين لشهر رجب الفرد عام خمسة وعشرين وسبعمائة. فسبحان الملك الحق، الباقي بعد فناء الخلق.»
وبعده من جهة أخرى:
تخص قبرك يا خير السلاطين
تحية كالصبا مرت بدارين
قبر به من بني نصر إمام هدى
عالي المراتب في الدنيا وفي الدين
أبو الوليد! وما أدراك من ملك!
مستنصر واثق بالله مأمون
سلطان عدل وبأس غالب وندى
وفضل تقوى وأخلاق ميامين
لله ما قد طواه الموت من شرف
وسر مجد بهذا اللحد مدفون
ومن لسان بذكر الله منطلق
ومن فؤاد بحب الله مسكون
أما الجهاد فقد أحيا معالمه
وقام منه بمفروض ومسنون
فكم فتوح له تزهى المنابر من
عجب بهن وأوراق الدواوين
مجاهد نال من فضل الشهادة ما
يجبى عليه بأجر غير ممنون
قضى كعثمان في الشهر الحرام ضحى
وفاة مستشهد في الدار مطعون
في عارضيه غبار الغزو تمسحه
في جنة الخلد أيدي حورها العين
يسقى بها عين تنسم وقاتله
مردد بين زقوم وغسلين
تبكي البلاد عليه والعباد معا
فالخلق ما بين إخوان أفانين
لكنه حكم رب لا مرد له
فأمره الجزم بين الكاف والنون
فرحمة الله رب العالمين على
سلطان عدل بهذا القبر مدفون
وعظمت فيه فجيعة المسلمين، لما ثكلوا من جهاده وعزمه، وبلوه من سعده وعزة نصره، فكثرت فيه المراثي، وتراهقت في شجوه القرائح، وبكاه الغادي والرائح، فمن المراثي التي أنشدت على قبره قول كاتبه شيخنا أبي الحسن ابن الجياب:
أيا عبرة العين امزجي الدمع بالدم
ويا زفرة الحزن احكمي وتحكمي
ويا قلب ذب وجدا وغما ولوعة
فإن الأسى فرض على كل مسلم
وقول كاتبه الوزير الأديب أبي عبد الله بن اللوشي:
برد بنار الشوق منك غليلا
فالمجد أضحى شاكيا وعليلا
منها - وهو غرض حسن -:
قلدت سيف الوجد فارس لوعتي
أسفا وأجريت الدموع خيولا
وبنيت أبيات الرثاء وقد رأت
عيني بيوت المكرمات طلولا
وقول كاتبه الفقيه القاضي أبي بكرين شيرين: