تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واعتنى بأهل بيت رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، فبذل في فداء بعض أعلامهم ما يعز بذله، ونقل منهم بعضا من حرف خبيثة، فزعموا أنه رأى رسول الله

صلى الله عليه وسلم

يشكر له ذلك.

واشتد في إقامة الحدود، وإراقة المسكرات.

وأخذ يهود الذمة بالتزام سمة تشهرهم، وشارة تميزهم، ليوفوا حقهم، من المعاملة التي أمر بها الشارع في الطرق والخطاب.

جهاده وبعض الأحداث في مدته:

التاثت أموره لأول مدته، فجرت عليه الهزيمة الشنيعة بوادي فرتونة. أوقع بجيشه الطاغية بمظاهرة السلطان المخلوع، ففشا في الأعلام يومئذ القتل في صفر عام ستة عشر وسبعمائة، وظهر العدو بعدها على حصن قنبل، وحصن متمانس، وحصن نجيح وحصن تشكر، وحصن روط، ثم صرفت المطامع عزمه إلى الحضرة، فقصد مرجها وكف الله عاديته، وقمعه، ونصر الإسلام عليه، ودالت للدين الهزيمة العظمى بالمرج على بريد منها. واستولى على محلاته النهب، وعلى فرسانه ورجاله القتل والإسار، وعظم الفتح، وبهر الصنع، وطار الذكر، وثاب السعد، واستقامت الأيام. وهلك المخلوع، فصفا الجو، واتحدت الكلمة، وأمكن الجهاد، فتحرك في رجب من عام أربعة وعشرين وسبعمائة، وأعمل الحركة إلى بلاد العدو، ونازل اشكر الشجي المتعرض في حلق مدينة بسطة، فأخذ بمخنقها، ونشر الحرب عليها ورمى بالآلة العظمى، المتخذة بالنفط، كرة محماة طاقة البرج المنيع من معقله، فعاثت عياث الصواعق السماوية، فنزل أهلها قسرا على حكمه للرابع والعشرين من الشهر، وفي ذلك يقول شيخنا الحكيم أبو زكريا بن هذيل رحمه الله من قصيدة أولها:

بحيث البنود الحمر والأسد الورد

كتائب سكان السماء لها جند

وفي وصف آلة النفط:

وظنوا بأن الرعد والصعق في السما

فحاق بهم من دونها الصعق والرعد

غرائب أشكال سما هرمس بها

مهندمة تأتي الجبال فتنهد

ألا إنها الدنيا تريك عجائبا

وما في القوى منها فلا بد أن يبدو

وأقام رحمه الله بظاهرها فصيرها دار جهاده، وعمل في خندقها بيده، وفي ذلك يقول شيخنا كاتب سره، نسيج وحده أبو الحسن بن الجياب، رحمه الله من قصيدة أولها:

أما مداك فغاية لم تسبق

أعيت على غر الجياد السبق

فاشرح بسعدك كل معنى مشكل

وافتح بسيفك كل باب مغلق

في وصف عمله في خندق الحصن:

لله منك مشاهد مشكورة

عند الإله بمثلها لم تسبق

مثل الحفير بها الذي باشرته

فعل الرسول وصحبه في الخندق

وفي العاشر لرجب من عام خمسة وعشرين وسبعمائة تحرك إلى الغزو، وأخذ الأهبة، واستكثر من الآلة، واحتشاد المطوعة، وقصد مدينة مرتش العظيمة الساحة الطيبة البقعة، فأضرب بها المحلات، وكان قصده إجمام الناس إلى الغد، فصرفت الحشود وجوهها إلى ما بها من شجر الكروم الملتفات، وأدواح الأشجار، فأمعنوا في إفسادها، وبرز حاميتها، فناشبت الناس القتال فحميت النفوس، وأريد منع الناس فأعيا أمرهم، وسال منهم البحر، فتعلقوا بالأسوار، وقيل للسلطان: بادر الركوب، فقد دخل البلد، فركب ووقف بإزائه، فدخل الحصن عنوة، واعتصم أهله بالقصبة فدخلت أيضا عنوة، وانطلقت أيدي الغوغاء على من بها من ذكر وأنثى، صغير أو كبير، فساءت القتلة، وقبحت الأحدوثة، ورفعت من الغد آكام من الجثث، صعدت ذراها المؤذنون، وقفل إلى غرناطة بنصر لا كفاء له. وكان دخوله من هذه الغزاة في الرابع والعشرين لرجب المذكور.

وفاته:

ولما فصل من مرتش، نقم على أحد الرؤساء من قرابته، وهو ابن عمه محمد بن إسماعيل المعروف بصاحب الجزيرة، أمرا فقرعه عليه، وبالغ في تأنيبه، وتوعده بما أثار حفيظته، فأقدم عليه بالفتكة الشنعاء، التي ارتكبها منه بباب قصره، بين عبيده آمن ما كان سربا، وأعز نفرا، وأمكن امتناعا، غدوة يوم الاثنين الثالث من يوم دخوله، بعد أن عاهد في الأمر جملة من القرابة والخدام، ووثب به وهو مجتاز بين السماطين من ناسه، إلى مجلس العقود الخاص، فاعتنقه، وسل خنجرا ملصقا بذراعه فأصابه بجراحات ثلاث: إحداهن بأعلى ترقوته، فرت ودجه، فخر صريعا وصاح فكر الوزير، فعممته سيوف الحاضرين من أصحاب الفاتك، ووقعت الرجة، وسلت السيوف، وتشاغل كل بمن يليه، واستخلص السلطان من بين يديه، وحيل بينه وبينه، فرفع وظنت نجاته، فوقع البهت، وبادر الفرار، وقد سدت المذاهب فقتلوا حيث وجدوا.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢٦٨