تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم شرع السلطان أبو الحسن في إجازة العساكر من المتطوعة والمرتزقة، وانتظمت الأساطيل سلسلة واحدة، من العدوة إلى العدوة، ولما تكاملت العساكر بالعبور، وكانت نحو ستين ألفا، أجاز هو أسطوله مع خاصته وحشمه، آخر سنة 740، ونزل بساحة طريف، وأناخ عليها ثالث محرم من السنة بعدها وشرع في منازلتها، ووافاه سلطان الأندلس أبو الحجاج يوسف بن إسماعيل بن الأحمر، في عسكر الأندلس من غزاة بني مرين، وحامية الثغور، ورجالة البدو، فعسكروا حذاء معسكره، وأحاطوا بطريف نطاقا واحدا، وأنزلوا بها أنواع القتال، ونصبوا عليها الآلات، وجهز الطاغية أسطولا آخر، اعترض به الزقاق، لقطع المرافق عن المعسكر، وطال مقام المسملين بمكانهم حول طريف ففنيت أزوادهم، وقلت العلوفات، فوهن الظهر، واختلت أحوالهم، ثم احتشد الطاغية أمم النصرانية، وظاهره البرتقال، صاحب اشبونة، وغرب الأندلس، وزحفوا إلى المسلمين، لستة أشهر من نزولهم على طريف ولما قرب الطاغية من معسكر المسلمين، سرب إلى طريف جيشا من النصارى، أكمنة بها إلى وقت الحاجة، فدخلوها ليلا، على حين غفلة من العسس، الذين أرصدوا لهم، وأحسوا بهم آخر الليل، فثاروا بهم من مراصدهم، وأدركوا أعقابهم قبل دخول البلد، فقتلوا منهم عددا، وقد نجا أكثرهم، فلبسوا على السلطان بأنه لم يدخل البلد سواهم، حذرا من سطوته، ثم زحف الطاغية من الغد في جموعه إلى المسلمين، وعبأ السلطان مواكبه صفوفا، وتزاحفوا، ولما نشبت الحرب برز الجيش الكمين من البلد، وهو الذي دخل ليلا، وخالفوا المسلمين إلى معسكرهم، وعمدوا إلى فسطاط السلطان، فدافعهم عنه الناشبة الذين كانوا على حراسته، فاستلحموهم لقتلهم، ثم دافعهم النساء عن أنفسهن، فقتلوهن كذلك، وخلصوا إلى حظايا السلطان منهن عائشة بنت عمه أبي بكر بن يعقوب بن عبد الحق، وفاطمة بنت السلطان أبي بكر أبي زكريا الحفصي، وغيرهما من حظاياه، فقتلوهن، واستلبوهن، ومثلوا بهن، وانتهبوا سائر الفسطاط، وأضرموا المعسكر نارا، ثم أحس المسلمون بما وراءهم في معسكرهم، فاختل مصافهم، وارتدوا على أعقابهم، بعد أن كان ناشنين ابن السلطان أبي الحسن صمم في طائفة من قومه وحاشيته، حتى خالطهم في صفوفهم، فأحاطوا به وتقبضوا عليه، وعظم المصاب بأسره، وكان الخطب على الإسلام قلما فجع بمثله، وذلك ضحوة يوم الاثنين سابع جمادى الآخرة من سنة إحدى وأربعين وسبعمائة، وولى السلطان أبو الحسن متحيزا إلى فئة المسلمين، واستشهد كثير من الغزاة، وتقدم الطاغية حتى انتهى إلى فسطاط السلطان من المحلة، فأنكر قتل النساء والولدان، وكان ذلك منتهى أثره، ثم انكفأ راجعا إلى بلاده، ولحق ابن الأحمر بغرناطة وخلص السلطان أبو الحسن إلى الجزيرة الخضراء، ثم منها إلى جبل الفتح، ثم ركب الأسطول إلى سبتة ليلة غده ومحص الله المسلمين وأجزل ثوابهم.

ولما رجع الطاغية من طريف استأسد على المسلمين بالأندلس، وطمع في التهامهم وجمع عساكر النصرانية، ونازل أولا قلعة بني سعيد ثغر غرناطة وعلى مرحلة منها، وجمع الآلات والأيدي على حصارها، وأخذ بمخنقها، فأصابهم الجهد من العطش، فنزلوا على حكمه سنة 742، وأدال الله الطيب منها بالخبيث، وانصرف الطاغية إلى بلاده، وكان السلطان أبو الحسن لما أجاز إلى سبتة أخذ نفسه بالعود إلى الجهاد، لرجع الكرة، فأرسل حاشرين، وأرسل قواده إلى سواحل المغرب، لتجهيز الأساطيل، فتكامل له منها عدد معتبر، ثم ارتحل إلى سبتة لمشارفة ثغور الأندلس، وقدم عساكره إليها مع وزيره عسكر بن تاحضريت، وعقد على الجزيرة الخضراء لمحمد بن العباس بن تاخضريت، من قرابة الوزير، وبعث إليها مددا من العسكر مع موسى بن إبراهيم اليربناني من المرشحين للوزارة نيابة، وبلغ الطاغية خبره، فجهز أسطوله، وأجراه إلى بحر الزقاق لمدافعته، وتلاقت الأساطيل، ومحص الله المسلمين، واستشهد منهم أعداد وتغلب أسطول الطاغية على بحر الزقاق فملكه دون المسلمين، وأقبل الطاغية من أشبيلية في عساكر النصرانية، حتى أناخ بها على الجزيرة الخضراء، مرفأ أساطيل المسلمين، وفرضة المجاز، ورجا أن ينظمها في مملكته مع جارتها طريف، وحشر الفعلة والصناع للآلات، وجمع الأيدي عليها وطاولها الحصار، واتخذ أهل المعسكر بيوتا من الخشب للمطاولة، وجاء السلطان أبو الحجاج ابن الاحمر بعساكر الأندلس، فنزل قبالة الطاغية، بظاهر جبل الفتح، في سبيل الممانعة وأقام السلطان أبو الحسن بمكانه من سبتة يسرب إلى أهل الجزيرة المدد من الفرسان والمال والقوت، في أوقات النفلة من أساطيل العدو، وتحت جناح الليل وأصيب كثير من المسلمين في ذلك، ولم يغن عن أهل الجزيرة ذلك المدد شيئا، واشتد عليهم الحصار، وأصابهم الجهد، وأجاز السلطان أبو الحجاج إلى السلطان أبي الحسن يفاوضه في شأن السلم مع الطاغية بعد أن أذن الطاغية له في الإجازة مكرا به، وأرصد له بعض الأساطيل في طريقه فصدقهم المسلمون القتال، وخلصوا إلى الساحل بعد غص الريق، وضاقت أحوال أهل الجزيرة ومن كان بها من عسكر السلطان، فسألوا الطاغية الأمان، على أن ينزلوا له عن البلد، فبذله لهم، وخرجوا فوفى لهم وأجازوا إلى المغرب سنة 743، فأنزلهم السلطان ببلاده على خير نزل، ولقاهم من المبرة والكرامة ما عوضهم بما فاتهم، وخلع عليهم، وحملهم، ووصلهم بما تحدث الناس به، وتقبض على وزيره عسكر بن تاحضريت، عقوبة له على تقصيره في المدافعة، مع تمكنه منها، وانكفأ السلطان أبو الحسن راجعا إلى حضرته موقنا بظهور أمر الله، وإنجاز وعده، والله متمم نوره ولو كره الكافرون. ا.ه. •••

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٦٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢٦٣