ثم أخذ يجيز العساكر إلى الأندلس، وأجاز على أثرها ختام سنة 740، وخيم بساحة طريف، ووافاه سلطان غرناطة بغزاة زناتة، وجنود الأندلس وشددوا الحصار على طريف، وجاء الإسبانيول بأسطول عظيم، حالوا به بين العدوتين، وامتنع البلد ففنيت الأقوات، واختلت أحوال المعسكر، وتكاثرت جموع الإسبانيول، وأصرخهم صاحب لشبونة البرتغال، فجاء بقومه ودخلوا البلد ليلا على حين غفلة، وكمنوا في مكان. وفي الغد تزاحف الجمعان فبرز الجيش الكمين من البلد، وخالفوا إلى معسكر السلطان وعمدوا إلى فسطاطه، فدافعهم الحراس، فقتلوهم، وفتكوا بحظايا السلطان، عائشة بنت عمه، وفاطمة بنت السلطان أبي يحيى صاحب إفريقية، وغيرهما وسلبوا الفسطاط وأحرقوا المعسكر، فلما رأى المسلمون ما حل وراءهم بالمعسكر اختل مصافهم، وأخذ ابن السلطان أسيرا لمخالطته العدو في تقدمه، وانحاز أبو الحسن مع فئة من أبطاله فدافع ونجا ووصل الطاغية إلى محلة السلطان، فأنكر على قومه قتل النساء والأولاد. وانهزم ابن الأحمر إلى حمرائه، وخلص أبو الحسن إلى الجزيرة، فجبل طارق، ومنها إلى سبتة، وكانت وقعة مشئومة على المسلمين، عظم فيها البلاء، وفدحت الرزيئة، وجل الخطب.
وقد بالغ بعض مؤرخي الإفرنج في تقدير خسائر المسلمين، فزعم بعضهم أنه قتل منهم مائتا ألف. وأن خسائر الإسبانيول كانت نحوا من عشرين قتيلا فقط، وهذا أشبه بقول بعض مؤرخي الإسلام إن خسائر الإفرنج في وقعة الدون بتره بلغت خمسين ألفا، ولم يستشهد من المسلمين إلا ثلاثة عشر فارسا، وقيل عشرة فقط مما يدل على تأخر فن النقد في تلك الأعصار، وقبول الأخبار على علاتها بدون عرضها على العقل، ولا سبرها بمعيار الحكمة والنظر، على أن هاتين الوقعتين تتشابهان في قضية أسر نساء الملوك، ففي الأولى أسرت امرأة الطاغية حسب قول العرب، وفي الثانية أسرت بعض نساء السلطان أبي الحسن، عدا من قتل منهن.
وبعد هذه الوقعة اشتدت وطأة الإسبانيول على المسلمين وطمعوا في التهام بقية الأندلس، ونازلوا قلعة بني سعيد، وأخذوها بعد حصار شديد، فأعاد أبو الحسن بن مرين الكرة، وجهز الأساطيل، وسرب البعوث إلى الجزيرة الخضراء، وتلاقت الأساطيل الإسلامية بالأساطيل النصرانية، فقضي بهزيمة المسلمين، وملك أسطول الطاغية بحر الزقاق، وسمالة شوق إلى استخلاص الأندلس، فبعث النفير، ووافته النجدات وحضرت الأوامر من البابا بوجوب القيام يدا واحدة لطرد مسلمي الأندلس وانضم إلى الفونس ملك قشتالة كثير من الملوك، ووافاه من أنسباء ملك إنكلترة، الكونت دربي، والكونت سالسبري، وغاسطون، وكونت دفوا، وكونت دو بيارن، وغيرهم، وزحف الجميع، ونازلوا الجزيرة الخضراء. ليلحقوها بطريف، ويستولوا على فرضة مجاز المسلمين، وحشروا إليها الفعلة والصناع، للنقب والحفر، وأطالوا حصارها، واتخذوا المعسكر بيوتا من الخشب، بقصد المطاولة، كما اتخذوا لمعسكرهم في القرن التالي بيوتا من الحجر، وهم على غرناطة. وجاء سلطان غرناطة لمدد الجزيرة، فنزل بظاهر جبل طارق. وطال الحصر، وأصاب أهل الجزيرة الجهد، فسألوا الأمان. فبذلوه لهم. وخرجوا إلى المغرب. وذلك سنة 743 فأنزلهم أبو الحسن المريني خير نزل. ا.ه.
استوفينا ذكر هذه الواقعة لأنها كانت من مقدمات سقوط الإسلام في الأندلس فإن الإسبانيول من بعدها أحاطوا بالجزيرة الأندلسية من جهة المغرب. وصارت مملكة غرناطة في حكم المحصور. وآل أمرها إلى التلاشي، بحيث لم تمض مائة وخمسون سنة بعد ذلك، حتى صارت أثرا بعد عين.
ولننظر ما قاله في شأن هذه الوقائع صاحب كتاب الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، العلامة الشيخ أحمد بن خالد الناصري السلاوي رحمة الله، قال:
لما فرغ السلطان أبو الحسن من شأن عدوه، وعلت على الأيدي يده، وانفسح نطاق ملكه، دعته إلى الجهاد، وكان كلفا به، فأوعز إلى ابنه الأمير أبي مالك أمير الثغور الأندلسية، سنة 740، بالدخول إلى دار الحرب، وجهز إليه العساكر من حضرته، وأنفذ إليه الوزراء، فشخص أبو مالك غازيا وتوغل في بلاد النصرانية واكتسحها، وخرج بالسبي والغنائم، فاتصل به الخبر أن النصارى قد جمعوا له، وأنهم أغذوا السير في اتباعه، فأشار عليه الملأ بالخروج من أرضهم، وعبور الوادي الذي كان تخما بين أرض المسلمين ودار الحرب، وأن يتحيز إلى مدن المسلمين فيمتنع بها، فلج في إبايته، وصمم على التعريس، وكان قرما ثبتا، إلا أنه غير بصير بالحرب لصغر سنه، فصبحتهم عساكر النصرانية في مضاجعهم، قبل أن يركبوا، وخالطوهم في بياتهم، وأدركوا الأمير أبا مالك بالأرض قبل أن يستوي على فرسه، فجدلوه، واستلحموا الكثير من قومه، وأحنوا على المعسكر بما فيه من أموال المسلمين وأموالهم ورجعوا على أعقابهم، واتصل الخبر بالسلطان أبي الحسن، فتفجع لهلاك ابنه، واسترحم له، واحتسب عند الله أجره، ثم أنفذ وزراءه إلى سواحل المغرب، لتجهيز الأساطيل، وفتح ديوان العطاء، وعرض الجنود، وأزاح عللهم، واستنفر أهل المغرب كافة، ثم ارتحل إلى سبتة، ليباشر أحوال الجهاد، وتسامعت به أمم النصرانية، فاستعدوا للدفاع، وأخرج الطاغية أسطول إلى الزقاق، ليمنع السلطان من الإجازة، واستحث السلطان أساطيل المسلمين من مراسي المغرب، وبعث إلى أصهاره الحفصيين بتجهيز أسطولهم إليه، فعقدوا عليه لزيد بن فرحون، قائد أسطول بجاية، ووافى سبتة في ستة عشر أسطولا إفريقية، كان فيها من طرابلس وقابس وجربة وتونس وبونة وبجاية، وتوافت أساطيل المغربين بمرسى سبتة، تناهز المائة، وعقد السلطان عليها لمحمد بن علي العزفي، الذي كان صاحب سبتة، يوم فتحها أيام السلطان أبي سعيد، وأمره بمناجزة أسطول النصارى بالزقاق، وقد تكامل عديدهم وعدتهم فاستلأموا وتظاهر في السلاح، وزحفوا إلى أسطول النصارى، وتواقفوا مليا، ثم قربوا الأساطيل بعضها من بعض، وقرنوها للمصاف، فلم يمض إلا كلا ولا ، حتى هبت ريح النصر، وأظفر الله المسلمين بعدوهم، وخالطوهم في أساطيلهم واستلحموهم هبرا بالسيوف، وطعنا بالرماح، وقتلوا قائدهم الملند، واستاقوا أساطيلهم مجنوبة إلى مرسى سبتة، فبرز الناس لمشاهدتها، وطيف بكثير من رءوسهم في جوانب البلد، ونظمت أصفاد الأسرى بدار الإنشاء، وعظم الفتح، وجلس السلطان للتهنئة، وأنشد الشعراء بين يديه، وكان ذلك يوم السبت سادس شوال سنة 740، فكان من أعز أيام الإسلام.