ومن رزق منكم مالا بهذا الوطن القلق المهاد، الذي لا يصلح لغير الجهاد، فلا يستهلكه أجمع في العقار، فيصبح عرضة للذلة والاحتقار، وساعيا لنفسه، إن تغلب العدو على بلدة، في الافتضاح والاحتقار، ومعوقا عن الانتقال أمام النوب الثقال.
ولما ضعفت حامية الأندلس بعد ذهاب بني عبد المؤمن، وضاقت مسالك المسلمين في الجزيرة، وتسامع بذلك أهل المغرب، نفروا للجهاد، وسابق إلى ذلك الأمير أبو زكريا بن أبي حفص، صاحب إفريقية (أي مملكة تونس) فأمدهم بالمال والرجال، وأعطوه بيعتهم. ولما قامت دولة بني مرين، واستفحل أمر يعقوب بن عبد الحق، واستبد بسلطنة المغرب، وكان عظيم الاستعداد في نفسه لإحراز تلك المثوبة وبلوغ هاتيك الرتبة، وأهمه شأن ابن أخيه إدريس بن عبد الحق، لما وقع بينهما من المنافسة، واستأذنه عامر بن إدريس في الجهاد، اغتنم هذه الفرصة، وعقد له على ثلاثة آلاف من مطوعة زناتة، وأجاز معه رحو ابن عمه ابن عبد الله بن عبد الحق. فكان لهم في الأندلس مقام كريم في الجهاد. ثم صارت الإجازة والجهاد شأن ذوي القرابة من ملوك المغرب المنافسين في الملك، والمزاحمين في الدولة، اغتناما للأجر والذكر. وتوسلا إلى قطع أسباب المنافسة بالغربة والانقطاع. وهؤلاء مثل أبناء أعمام الملوك من بني مرين، الملقبين بالأعياص. ومثل عبد الملك يغمراسن ابن زيان، وعامر بن منديل بن عبد الرحمن، وزيان محمد بن عبد القوي، فامتلأت الأندلس بأقيال زناتة وأعياصهم (إلى أن أقول):
ولما انتزى أبو الوليد ابن الرئيس أبي سعيد فرج بن إسماعيل بن يوسف بن نصر علي ابن عمه صاحب غرناطة، كان شيخ زناتة بمالقة عثمان بن أبي العلاء إدريس من آل عبد الحق، فانتصر به أبو الوليد على ابن عمه، ولما استتب له الأمر عقد له على الغزاة من زناتة، وصرف عن تلك الرئاسة عثمان بن عبد الحق بن عثمان، فلحق بوادي آش مع السلطان أبي الجيوش، وصار حمو بن عبد الحق بن رحو من عملة عثمان بن أبي العلاء إدريس، بعد أن كانت الرئاسة له. وبعد صيت ابن أبي العلاء، واستفحل أمره، وعلت رايته، وأتاح الله للمسلمين من النصر على يده، ما لم يتوقعوه، ولما مات أبو الوليد سلطان غرناطة، وبويع ابنه صبيا، لنظر الوزير بن المحروق، استبد عليه ابن أبي العلاء شيخ الغزاة، فوقعت الفتنة بينه وبين الوزير، ونصب الوزير له كفئا من ذوي قرباه، يحيى بن عمر بن رحوم، وارتحل عثمان، وبقي إلى أن استبد بالأمر السلطان محمد بن الأحمر، ونكب ابن المحروق، فاستدعي عثمان ثانية لمشيخة المجاهدين، ومات لسبع وثلاثين سنة من إمارته عليهم وكان مكتوبا على قبره هكذا: «هذا قبر شيخ الحماة، وصدر الأبطال والكماة، واحد الجلالة، لبث الأقدام والبسالة، علم الأعلام، حامي ذمار الإسلام، صاحب الكتائب المنصورة، والأفعال المشهورة، والمغازي المسطورة، إمام الصفوف، القائم بباب الجنة تحت ظلال السيوف، سيف الجهاد، قاسم الأعادي، وأسد الآساد، العالي الهمم، الثابت القدم، الهمام المجاهد الأرضى، البطل الباسل الأمضى، المقدس المرحوم، أبي سعيد عثمان ابن الشيخ الجليل، الهمام الكبير الأصيل، الشهير المقدس المرحوم، أبي العلاء إدريس بن عبد الله بن عبد الحق. كان عمره ثمانيا وثمانين سنة، أنفقه ما بين روحة في سبيل الله وغدوة، حتى استوفى في المشهور سبعمائة واثنتين وثلاثين غزوة.» ا.ه.
فأنت ترى لماذا يخاطب هذا الرجل ملك أراغون بالكاف بينما يكون سلطان غرناطة نفسه مخاطبا له بالجمع، فإن أبا سعيد عثمان بن أبي العلاء إدريس بن عبد الله بن عبد الحق هو من بني مرين، ملوك المغرب، وهو شيخ الغزاة بالأندلس، وقد عمر ثمانيا وثمانين سنة، وغزا سبعمائة وثلاثين غزوة، وبهذا كفاية ليخاطب الملوك بكاف المفرد. •••