تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وانظر إلى ما سبق لنا من الكتابة في شأن المرابطة بالأندلس، وذلك في خلاصة تاريخ الأندلس التي علقناها على رواية «آخر بني سراج» وهو ما يلي:

الفصل الخامس

في ذكر مشيخة المرابطين والغزاة من الإسلام والنصرانية

كانت الثغور منذ القديم مواطن الأمم المتناظرة، ومواقف الأقران من حماة الأقوام المتبارزة، وكماة الشعوب المتحاجزة، ومقامات صدق المجاهدين، ومظان النخوة الجائشة بالرءوس، للذب عن العرض والدين. ومنذ ظهرت دولة الإسلام، بما شرع فيها من الجهاد، لم تبرح مرابطة الثغور، ومحافظة الدروب، وبعوث الصوائف، من أركان الملة، وقواعد الدولة، وأعمدة سرادق الخلافة، يتنافس في الوفاء بها، والقيام عليها، الأطول يدا، والأبعد هما، والأشد عزمة، والأنأى في المجد غاية، من خلائف الإسلام وسلاطينه، وأمراء التوحيد وأساطينه، ممن رفعوا في تعزيز الملة، وإجابة داعي الجنة، شأن الجهاد، ولم تزل آثار مساعيهم ظاهرة بهذه البقية من البلاد، فإن كان للإسلام لواء خافق فوق رءوس بنيه، فهو بقية ما عقد بأيدي الغزاة والمجاهدين، وإن كان تحت أقدامهم مواقع للامتناع، فهي نتيجة مواقع السيوف من رقاب المناهدين.

ولما كانت الجزيرة الأندلسية بموقعها من الاتصال ببر العدوة الأوربية والموازاة لبر العدوة المغربية غير منفصلة عنه إلا ببحر الزقاق، الذي يتراءى الساحل من ورائه، تعد ثغر الثغور بين البرين الكبيرين وموطن الرباط، ومعترك الثقاف من العنصرين العظيمين، استمر الجهاد فيها نيفا وثمانمائة سنة، بين حماة الحنيفية والنصرانية منازعة الأرض بالشبر، فلما كان الإسلام هناك في عنجهيته، والعرب تترامى إلى الأندلس للاعتمار من جميع الأقطار، قد عصفت ريحهم بأمم الفرنج، وأجفلت هذه بين أيديهم، وانهزمت من أوجههم، وانتظمت في أثناء ذلك دولة بني أمية في ذلك الصقع أعظم ما كان العرب نضارة، وأكمل عزا، وأبعد في العدو مغارا، مضت على الإسلام في الأندلس ثلاثة قرون، كنت فيها نفسها مئونة الجهاد، وقامت وحدها في وجه العدو الذي كان قد انضم بعد التخاذل، واستمسك بعد الاسترسال، إلى أن انقرض حبل الخلافة المروانية، وتشعبت الكلمة، وصار الأمر إلى ملوك الطوائف فاستأسد الفرنج، واقتحموا ثغور المسلمين، وأجلوهم عن كثير من القواعد والضواحي، فاستصرخ هؤلاء إخوانهم من وراء البحر، بحسب الانقطاع في تلك الجزيرة، فوافاهم مدد المرابطين من بني لمتونة، واستجاش يوسف بن تاشفين المغرب، فرمى إليه بأفلاذ أكباده من زناتة وضهاجة وغيرها، وأجاز إلى الأندلس بجحافله، فرد عادية النصارى، واسترجع كثيرا من القواعد، ولم يلبث أن تأذن الله بانقراض أمد تلك الدولة، وقيام دولة الموحدين بني عبد المؤمن، فاقتدوا بسلفهم في الجهاد، وأجازوا إلى الأندلس على ظمأ من أهلها لنجدتهم، فصدموا تقدم العدو، وفلوا غربه، ولم يسعد الإسلام الحظ بطول انتظامهم، وامتداد التئامهم، فخامر دولتهم الضعف واستولى عليها الانقسام وظهر في عقبها الفشل، وجاءت وقعة العقاب، لعهد الناصر من أمرائهم، الطامة الكبرى على الإسلام، فلم تقم له بعدها قائمة تحمد فيما وراء البحر، وانجلى أهله أمام العدو المتقدم إلى سيف البحر. وحشروا في مملكة ابن نصر الذي ضم شملهم في غرناطة وجوارها . ورأى المسلمون أن الأمر كاد يفلت من أيديهم، وإن منزلهم هناك أصبح قلمة،

10

وأن زيالهم لتلك الديار أضحى قريب الأجل كما يستدل على ذلك من كلام علمائهم وشعرائهم، كقول أبي البقاء الرندي:

قواعدكن أركان البلاد فما

عسى البقاء إذا لم تبق أركان

وكقول غيره من قبله:

حثوا رواحلكم يا أهل أندلس

فما المقام بها إلا من الغلط

الثوب ينسل من أطرافه وأرى

ثوب الجزيرة منسولا من الوسط

وقول لسان الدين بن الخطيب وزير غرناطة الكبير، من جملة نصيحته لأولاده:

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٥٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢٥٦