وكتب الأخ بنونة تحت هذا الكتاب الملاحظات التالية: (1)
يستعمل الكاتب لفظة مخزني نسبة إلى المخزن، أي الحكومة، مما يدل على أن هذا الاستعمال كان معروفا بالأندلس، كما هو اليوم بالمغرب.
8 (2)
خط المعاهدة من النوع المبسوط الظاهر، وسطورها أفقية تامة الاستواء. (3)
تأملوا قوله «المدجنين الساكنين بأرضكم» أليس معناه الأهالي المسلمين؟ ثم مما لا شك فيه أنه مترجم عن لفظة «أندخيناس» التي يطلقها اليوم الإسبانيول على الأهالي المغاربة. وأذكر أن الأخ المكي الناصري كتب عنها فصلا قيما في مجلة السلام، أعطى فيه هذه اللفظة حقها، ولا نستطيع أن نفسر اللفظة هنا بالمقيمين من دجن بمعنى أقام بالمكان، لأن لفظة «الساكنين» تفيد ذلك المعنى، فلا وجه لتفسيرها بها إلا بتكليف. ا.ه.
قلنا إن المدجنين هم المسلمون الأندلسيون الذين عندما غلب النصارى على بلادهم لبثوا تحت حكم هؤلاء، ولم يختاروا الرحيل إلى بلاد الإسلام، كما رحل إخوانهم، وقد سموا بالمدجنين من دجن بالمكان بمعنى ألف الإقامة به، ومنه الحيوان الداجن، الذي يألف البيوت، ولا ينفر منها، كالحيوانات الأخرى الشاردة، وربما كان الحيوان بريا، فإذا أمسكوه عودوه الدجن في البيت وانتهى بأن يستأنس ويألف. ووجه المناسبة ظاهر، وهو أنه عندما كان يتغلب النصارى على بلاد المسلمين من الأندلس كان أكثر أهلها يشردون نافرين، ويهاجرون منها إلى بلاد الإسلام، وقد كان يوجد فيهم من لا يتمكن من المهاجرة، أو من يعز عليه فراق وطنه، فيبقى تحت حكم النصارى، ويألف الخضوع لهم، فسمي هذا النوع من المسلمين مدجنين من باب التشبيه. وهكذا قرر المؤرخون والعارفون باشتقاق الألفاظ وجه هذه التسمية.
وكان هؤلاء المدجنون، وإن سكنوا في الأول تحت حكم النصارى يضطرون في الآخر إلى الرحيل منها، نظير الذين سبقوهم من إخوانهم، وذلك بسبب تفاقم الظلم والاضطهاد عليهم. فسلاطين غرناطة كانوا يتوسطون لدى سلاطين الأسبان حتى يسمحوا للمدجنين بالخروج إلى بلاد الإسلام، وبأخذ أموالهم معهم، وسبب هذا التوسط هو أن سلاطين النصارى لم يكونوا يسمحون دائما بهجرة المدجنين، وذلك لأن المدجنين كانوا يعملون في أراضي النصارى، وكانوا أهل جد ونشاط، وعلم بأصول الزراعة، وكانوا إذا خرجوا ماتت المزارع من بعدهم، وحرم النصارى خيراتها الدارة. فطالما منع ملوك النصارى خروج المدجنين بهذا السبب، وكانوا إذا أراد بعضهم الخروج لا يسمحون لهم بأخذ أموالهم معهم، وذلك حتى يبقوا في أرضهم فيعمروها، ولكن بعد سقوط غرناطة، وإكراه النصارى للمدجنين على ترك دينهم صار هؤلاء يثورون في الأحايين، وتقع الوقائع، وكانوا يستصرخون إخوانهم مسلمي المغرب الأقصى والأوسط، وأتراك الجزائر، فكانت ترد إليهم نجدات، ويتسرب سلاح، ويقاتلون ويستبسلون، فرأى ملوك النصارى أخيرا أن لا نهاية لثورات هؤلاء.
وفي الآخر أحسوا بأن المدجنين صاروا يستصرخون سلاطين آل عثمان، وكانت الدولة العثمانية حينئذ في إبان قوتها فخاف ملوك أسبانية من تعرض الأسطول العثماني لسواحل أسبانية، وإثارة المدجنين، وإنزال عساكر تقاتل معهم، فأجمعوا طرد جميع المدجنين من جميع أسبانية، وأنفذوا هذا القرار بالرغم من احتجاج الكثيرين من نبلاء الإسبانيول، وأصحاب الأملاك فيهم، ممن كانوا يقولون إن خروج المدجنين من البلاد سيجعلها خرابا.
وقد كان المدجنون عندما استولى النصارى على شمالي الأندلس وشرقيها ينزح منهم الكثيرون إلى مملكة غرناطة، حتى إن هذه المملكة امتلأت بالسكان، بسبب توارد المدجنين عليها من مرسية، وبلنسية وجيان، وقرطبة، وأشبيلية، فضلا عمن كان قد سبق رحيله إلى الجنوب من مسلمي سرقسطة، ولاردة، ووشقة وتطيلة، وقلعة أيوب، وطليطلة، ووادي الحجارة، ومدينة سالم ومجرط، وغيرها. فسلطان غرناطة عبد الله إسماعيل بن فرج، يرجو في هذا الكتاب من الدون جنيمي ملك أراغون، ألا يضيق على المسلمين الذين في مملكته في منعهم من الهجرة منها.