تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد ذكر لاردة ياقوت الحموي فقال: لاردة بالراء مكسورة، والدال مهملة: مدينة مشهورة بالأندلس، شرقي قرطبة، تتصل أعمالها بأعمال طركونة، منحرفة عن قرطبة إلى ناحية الجوف، ينسب إلى كورتها عدة مدن وحصون، تذكر في مواضعها وهي بيد الإفرنج الآن. ونهرها يقال له سيقر. ينسب إليها جماعة منهم أبو يحيى زكريا بن يحيى بن سعيد اللاردي، ويعرف بابن النداف، وكان إماما محدثا، سمع منه بالأندلس كثير، ذكره الفرضي ولم يذكر وفاته. ا.ه.

وبقيت لاردة في أيدي العرب من سنة 713 إلى سنة 799، إذ استولى عليها لويس الحليم، ملك فرنسا، ثم استرجعها المسلمون، ويقيت في أيديهم إلى أن سقطت بسقوط سرقسطة، في أوائل القرن السادس للهجرة. وكان أول ظهور بني هود في لاردة فقد غلب عليها سليمان بن محمد بن هود، وكان من كبار الجند بالثغر الأعلى إلى حين وقوع الفتنة الشاملة، فلما صار الأمر فوضى وثب سليمان المذكور على والي لاردة أبي المطرف التجيبي، وقتله واستولى على لاردة ومنتشون ونواحيها وكان في سرقسطة أمير من التجيبيين يقال له منذر بن يحيى من قواد الدولة العامرية، فمات في أثناء الفتنة، فورث الإمارة ابنه يحيى بن منذر، وسنه فيما ذكر تسع عشرة سنة. وكانت أمه أخت المأمون يحيى بن ذي النون صاحب طليطلة، فاحتقره بنو عمه، وتواطئوا على قتله مع كبير منهم اسمه عبد الله بن حكيم، ثم قتلوه وولوا هذا الرجل أمرهم، ولكنه كان عاهر الفرج ساءت ملكته فيهم فخلعوه، وبعثوا إلى سليمان بن هود، وهو بمدينة لاردة، ليأتي إلى سرقسطة ويلي الأمر، فجاء ونزل بدار الإمارة. وكان استيلاء ابن هود على لاردة سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة، واستيلاؤه على سرقسطة سنة ثمان وثلاثين.

ولما مات سليمان بن هود كان له خمسة أولاد ذكور، قد قسم عليهم البلاد في حياته فولي أحمد، ولده الثاني، مدينة سرقسطة، وولي يوسف ولده الأكبر، مدينة لاردة، وولي محمدا قلعة أيوب، وولي لبا مدينة وشقة، وولي المنذر تطيلة.

إلا أن أحمد بن سليمان بعد وفاة أبيه صار يحتال على إخوته حتى أخرجهم من ولاياتهم، ولم يمتنع عليه إلا يوسف أمير لاردة، وكان هذا يلقب بحسام الدولة، ولما رأى الأهالي أعمال أحمد بن سليمان بن هود بأخوته كرهوه، ومالوا إلى أخيه يوسف وقاموا بدعوته وكان هذا بطلا شهما، إلا أنه كان سيئ البخت، وكان أخوه أحمد خبيثا على جانب عظيم من المكر فأرسل إلى الطاغية ابن ردمير يستعينه على أخيه، وكان يوسف قد أرسل إلى بلاد ابن ردمير ميرة كثيرة، فسرى أحمد برجاله من سرقسطة، وأخذ قوافل أخيه، وانهزم رجالها، فأخذهم النصارى أسرى، ثم جاع أهل تطيلة، فأرسلوا إلى يوسف يستغيثون به، فبعث إليهم بأرزاق كثيرة، فخرج أحمد وأخذ قوافل أخيه وما فيها من الميرة، وقتل رجالها، فلما رأى المسلمون في الثغر الأعلى ما رأوا من دهاء أحمد بن سليمان بن هود، ومن سوء بخت أخيه يوسف، خافوا على أنفسهم من أحمد، فأطاعوه، ولم يبق في حوزة يوسف سوى لاردة، وقد كانت هذه العداوة بين الأخوين هي السبب في فاجعة يربشتر التي تقدم ذكرها.

وما زالت لاردة تابعة لسرقسطة إلى أن استولى الإسبانيول على سرقسطة وانطوى بساط الثغر الأعلى.

وممن انتسب إلى لاردة من أهل العلم أبو محمد عبد الله بن هارون الأصبحي، الفقيه الشاعر، ترجمه ابن بشكوال وقال: ذكره لي أبو الحسن على بن أحمد العائذي وأنشد له أشعارا أنشده إياها منها:

كم من أخ قد كنت أحسب شهده

حتى بلوت المر من أخلاقه

كالملح يحسب سكرا في لونه

ومجسه، ويحول عند مذاقه

وترجمه أيضا صاحب بغية الملتمس.

وعبد الملك بن غير الفارسي، محدث، من أهل لاردة، ذكره أبو سعيد بن يونس. جاء ذكره في بغية الملتمس. وأبو عبد العزيز عبد الرءوف بن عمر بن عبد العزيز أصله سرقسطي، توفي بلاردة سنة 308. وعبد العزيز بن عمر بن حبنون، من أهل منتشون، من عمل لاردة يكنى أبا يونس، سمع من أبي الوليد الباجي صحيح البخاري بسرقسطة سنة 463، وولي الأحكام بمنتشون. نقل ذلك ابن الأبار في التكملة عن أبي داود المقرئ. وأبو محمد عبد الجبار بن مفرج بن عبد الله الأنصاري من أهل لاردة، استوطن مرسية، سمع أبا الأصبغ عبد العزيز بن محمد البلشيدي الأموي، وكان شيخا صالحا، ولد سنة 486، وتوفي حول سنة 560، نقل ذلك ابن الأبار عن ابن عياد. وأبو محمد عبد الجبار بن خلف بن لب اللاردي، سكن بلنسية ودانية، وقرأ جميع البخاري في دانية على الباجي سنة 452، وسمع من أبي العباس العذري، وأبي عمر بن عبد البر، وغيرهما، وأجاز له أبو عمر بن الحذاء، وسمع منه أبو عبد الله بن خلصة المعافري. وأبو عبد الله محمد بن أحمد بن عمار بن محمد التيجي، من أهل لاردة، قال الأبار إنه رحل إلى بلنسية، على أثر استرجاعها من الروم، في منتصف رجب سنة 498، فلقي فيها أبا داود المقرئ، وأخذ عنه القراءات السبع، ثم انصرف إلى بلدة لاردة، فأقرأ بها القرآن، وأخذ عنه. ورحل إلى مرسية صدر رجب سنة 497، وتصدر بجامعها للإقراء، وأخذ عنه وسمع حينئذ من أبي علي الصدفي الحديث، وانتقل بعد ذلك في آخر سنة 503 إلى أوريوله، وخطب بجامعها، وتمادى إقراؤه بها إلى حين وفاته، في السادس والعشرين من رمضان سنة 519، ومولده في رمضان سنة 477، فلم يطل عمره. نقل ذلك ابن الأبار من خط زياد بن الصفار، وهو أحد تلاميذه، أخذ عنه القراءات والعربية وقرأ عليه كتاب روضة المدارس، وبهجة المجالس، من تأليفه. وأبو عبد الله محمد بن يحيى بن سعيد الأنصاري اللاردي، لقي أبا بكر الجزار السرقسطي، وغيره من الأدباء، قال ابن عياد: كان كثير الاختلاف إلى مجلس شيخنا أبي بكر بن غارة وكان فكه المجالسة، لين الجانب، أديبا ظريفا أنشدنا لأبي بكر الجزار:

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٤١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢٤١