وما انتهى بطره من خطب جقوم ابن عمه، حتى ثارت معه مسألة أخرى مع أخيه المسمى أيضا بجقوم، وذلك بسبب انتقال الملك، فإن بطره لم يكن له أولاد ذكور، فأراد العهد لابنته، والحال أن أخاه كان يطالب بهذا الحق فانشقت المملكة بهذا السبب إلى قسمين، ونشبت الحرب بينهما، وقام جمهور من الرؤساء على الملك وفي أثنائها توفي أخوه جقوم، فاتهم بطره بكونه سمه، فازدادت الثورة، وزحف الملك إلى الرعية الثائرة فجرت عدة وقائع سالت فيها الدماء غزارا، وغدر بطره بالرؤساء الذين استسلموا إليه، وأرهق مدن مملكته حصرا وعسرا، إلى أن تمت له الغلبة، ثم بسبب مراكب استولى عليها أمير البحر عنده، رغم إرادة بطره ملك قشتالة، وقعت الحرب بينهما وانضم إلى أراغون الأمراء الذين كان بطره القشتالي قد آسفهم، وما وضعت تلك الحرب أوزارها حتى اصطلت الثانية، ثم الثالثة.
وهلك بطره الأراغوني سنة 1387، بعد أن ملك نيفا وخمسين سنة، وكان سفاكا للدماء، غدارا، غدر بأهله وإخوته، وأهرق سيولا من الدم، حتى لقب بالحنجري. وتزوج بأربع نساء الأولى دونه مارية ابنة ملك نباره، ماتت سنة 1346 والثانية دونة ليوليورة ابنة ملك البرتغال، وماتت هذه بعد تلك بسنتين بالطاعون الذي عم جنوبي أوروبا، وشمالي أفريقية، وهو الذي يسميه ابن خلدون بالطاعون الجارف، خرب كثيرا من ديار الشرق والغرب، ثم اقترن الدون بطره بليولورة أخت ملك صقلية، وماتت سنة 1374، وقد ولدت منه ثلاثة ذكور، وابنة واحدة فاقترن بامرأته الرابعة، سيبيله فورسيه، كانت أرملة، بارعة في الجمال، وكان أوانئذ قد بلغ هو الحادية والستين، فملكت قلبه وأعطاها قياده، وأقطعها من أملاك التاج الملكي، فاعترضه ولي عهده جوان، وهو ابنه من امرأته الثالثة، ووقع النزاع، وانتهى بتحكيم أحد القضاة.
وفي أواخر مدة هذا الملك وقع النزاع الشهير بين البابا وأوروبان السادس، والبابا كليمان السابع، وأخذ كل منهما يحرم الآخر، وانقسمت ممالك أوروبا في شأنهما إلى شطرين: قفرلة وقشتالة ولبارة، ونابولي قامت بدعوة كليمان، وإنجلترة والبرتغال وأراغون، قامت بدعوة أوروبان، إلا أن أراغوان مالت فيما بعد إلى كليمان.
وبعد وفاة بطره قام ابنه جوان الأول وفي الحال قبض على سيبيلية امرأة أبيه وعلى أخيها وأعوانها، وابتزها الأملاك التي كان أبوه وهبها إياها، وسلمها إلى امرأته دونة «فيولنته» واعتنى بتزويج دون مارتين ابن أخيه بابنة عمه فردريك، ملك صقلية التي كان آل إليها إرث تلك الإمارة بعد وفاة والدها، وكان جوان مولعا بالشعر والموسيقى والصيد، مهملا الجد من الأمور، حتى أصبح قصره عبارة عن عكاظ شعراء، ومجتمع مغنين ، لا يسمع فيه إلا إيقاع أو إنشاد، فقام أعيان البلاد، وطلبوا منه إقصاء حظيته دونه «كاروزة» لاتهامهم إياها بترغيبه في ما هو فيه من العبث فانقاد إلى إرادتهم، خوف انتقاضهم، وتوفي جوان في الصيد بكبوة جواد تردى به في غابة، وهو يطلب ذئبا فخلفه أخوه الدون مرتين، لأن جوان لم يعش له غلام من صلبه. فنازعه في الملك آل فواكس، فغيهم عليه واستوثق له الأمر، وتزوج بالدونة مارية. فولد له منها أربعة أولاد، توفي منهم ثلاثة دون البلوغ، وبقي الواحد وهو الدون مرتين متوج صقلية، فمات هذا في غزاة بسردانية عام 1409، ولم يعش له ولد، على كونه تزوج مرتين، نعم كان له أولاد من حظاياه، فعند وفاته انقرضت ذرية الذكور الشرعيين من البيت المالك، وتنازع حقوق الوراثة خمسة أمراء: الدون، فادويك، ولد مارتين من إحدى حظاياه. وكونت أورجل، ابن عم مارتين في الدرجة الخامسة، ودوق كالابرة، ابن الدونة فيولنتة، بنت جوان الأول. ثم فرديناند القشتالي، الملقب عندهم بالرشيد، وهو ابن جوان الأول القشتالي، والدونة ليونوره اخت الدون مرتين ملك صقلية، الذي بموته انقطعت السلالة، فهو إذن ابن أخت الملك الشرعي، فكان أقرب المتنازعين إلى الحق في هذا العرش، وكان كذلك كونت أورجل بمكانه من الكلالة لأنه من نفس بيت الملك.