تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أما الملكان اللذان توجهت إليهما هذه الرسائل من سلطان غرناطة ووزرائه فهما الفونش الرابع، وولده بطره.

ولأجل أن يرتوي القارئ من تاريخ هذين الملكين، نعيد هنا ما كنا كتبناه في مختصر تاريخ أسبانية الملحق «بآخر بني سراج» صفحة 177 من الطبعة الثانية وهو: «ثم مملكة أراغون، حذاء جبال البيرانه، اعتمدت في أوائل أمرها على لصوصية البحر، واشتهر بين أمرائها جقوم،

10

وهو الذي استولى على جزائر الباليار: ميورقة، ومينورقة، ويابسة، وقيل إن السبب في الاستيلاء عليها تعرض أهل ميورقة لمراكب الإسبانيول.

ويفهم من قول المخزومي في تاريخ ميورقة، كون سبب أخذها من المسلمين أن أميرها في ذلك الوقت محمد بن علي بن موسى، احتاج إلى الخشب، فأنفذ طريدة بحرية، وقطعة حربية، إلى يابسة بأخذه، فعلم بذلك والي طرطوشة، فجهز إليها من أخذها، فترصد محمد بعض مراكبهم وأخذها، فأجمع الروم على قتاله في عشرين ألفا، وجهزوا ستة عشر ألفا في البحر، وكان لدى وصول الروم قد أمر الوالي صاحب شرطته أن يأتيه بأربعة من كبراء المصر، فضرب أعناقهم، فاجتمعت الرعية إلى أبي حفص بن سيري، وأخبروه بما نزل وعزوه في من قتل، وقالوا له: هذا أمر لا يطاق! وأصبح الوالي يوم الجمعة، منتصف شوال، والناس من خوفه في أهوال، ومن أمر العدو في إهمال، فأمر صاحب شرطته بإحضار خمسين من أهل الوجاهة والنعمة، فأحضرهم، وإذا بفارس على هيئة النذير دخل إلى الوالي، وأخبره بأن الروم قد أقبلت، وأنه عد فوق الأربعين من القلوع. وما فرغ من إعلامه حتى ورد آخر وقال: إن أسطول العدو قد تظاهر، وإنه عد سبعين شراعا. فصح الأمر عند الوالي وأطلقهم واستنفرهم. ثم ورد الخبر بأن العدو قرب من البلد، فإنهم عدوا مائة وخمسين قلعا، فأخرج الوالي جماعة تمنعهم من النزول.

وفي الثامن عشر من شوال وقع المصاف، وانهزم المسلمون، وارتحل النصارى إلى المدينة، ونزلوا منها على الحربية الحزنية

11

من جهة باب الكحل. ولما رأى ابن سيري أن العدو قد استولى على البلد خرج إلى البادية.

ولما كان يوم الجمعة الحادي عشر من صفر قاتلوا البلد قتالا شديدا. ولما كان يوم الأحد أخذ البلد، وقتل فيه أربعة وعشرون ألفا، وأخذ الوالي وعذب، وعاش خمسة وأربعون يوما تحت العذاب ومات. وأما ابن سيري فتحصن في الجبال، وجمع حوله ستة عشر ألفا، وما زال يقاتل حتى قتل يوم الجمعة عاشر ربيع الآخر سنة ثمان وعشرين وستمائة. وجده من آل جبلة بن الأيهم الغساني. وأما الحصون فأخذت في آخر رجب من تلك السنة وفي شهر شعبان لحق من نجا من المسلمين ببلاد الإسلام. انتهى ما ذكره ابن عميرة المخزومي ملخصا.

12

قلنا إننا كنا قد نقلنا هذا النقل عن نفح الطيب وسنعود إلى خبر ميورقة وأخواتها عند الوصول إلى الكلام على هذه الجزائر جغرافية وتاريخا، ونأتي إن شاء الله على الموضوع بالتفصيل، وإنما لهذا النقل هنا من جهة اتصاله بتاريخ ملوك أراغون، الذين هم أقماط برشلونة. فأما باب الكحل الذي دخل منه النصارى إلى مدينة بالمه

13

التي كان العرب يسمونها ميورقة، فقد شاهدناه يوم زيارتنا لتلك الجزيرة سنة 1930. وأما الجبال التي تحصن بها ابن سيري فقد مررنا بحذائها، وهي على مسافة نحو من ساعتين بالسيارة الكهربائية من المدينة، ومن رآها علم أنها لا تؤخذ ولا يتأتى الصعود إليها، لوعورتها، وامتناع السلوك فيها. وما أظن المسلمين تركوا القتال، ولحقوا ببلاد الإسلام إلا بأحد سببين: إما أن يكون قتل ابن سيري قد فت في أعضادهم، ووقع الخلف بعده فيما بينهم، فلم تنتظم لهم كلمة بعد ذهابه، فطلبوا التسليم على شرط النجاة بأرواحهم، ولحقوا ببلاد الإسلام. وإما أن يكون تعذر عليهم المقام بهذه الجبال العالية الوعرة التي ليس فيها شيء يقوم بميرتهم، وكانوا لا يقدرون أن يهبطوا منها إلى السهول، لكثرة جيش العدو المرابط بحذائهم. والله أعلم.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٣٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢٣٦