وعيد الحاجب والعسكر عيد الفطر بأرض برشلونة، فإنه رحل يوم عيد الفطر غرة شوال من السنة المؤرخة، فأدركه وقت صلاة العيد وهم سائرون، فنزلوا للصلاة. ولما قضى الحاجب صلاته، تبوأ بمصلاه مقعدا، لتهنئته بما سنى الله له من التعبيد في سبيل جهاده، فتقدم إليه أكابر الناس على مراتبهم، ثم ركب فرسه، فتقدم إليه طبقات الأجناد، مبتهلين بالدعاء له، وسار العسكر، ونزل بالبطحاء، ثم رحل من منزل إلى منزل، فعم ذلك كله غارة وانتسافا.
قال حيان بن خلف: ورأى الحاجب عبد الملك أن قد بلغ الغاية من التدويخ لأرض العدو، فرحل بالعسكر منكفئا نحو أرض الإسلام، وأمر كاتب الرسائل أحمد بن برد أن يكتب بالفتح نظيرين: أحدهما إلى الخليفة هشام المؤيد بالله، والآخر يقرأ على كافة المسلمين بقرطبة، وتنفذ نسخته إلى الأقطار، فعجل ذلك وأنفذه نحو حضرة قرطبة، وكان جملة ما تضمنه كتاب الفتح من عدد السبي خمسة آلاف وخمسمائة وسبعين رأسا، وعدد الحصون التي افتتحت عنوة، فقتلت مقاتلتها، ستة حصون، وكان عدد الحصون التي أخلاها العدو فخربت ودمرت خمسة وثمانين حصنا، وكلها قد سميت في كتابه، وأذن الحاجب لجميع المطوعة في القفول إلى بلادهم، إذ قد قضوا ما قصدوا له من جهاد عدوهم، فقفلوا فرحين مستبشرين.
ورحل العسكر من مدينة لاردة يوم الثلاثاء لثمان خلون من شوال، فدخل قرطبة لخمس خلون من ذي القعدة فتلقاه أهل قرطبة وعلماؤها ووجوهها مهنئين شاكرين ثم دخل الحاجب إلى الخليفة هشام، فرفع مجلسه وكساه من ملابسه السنية ثلاث رزم، قرن بها سبعين من خاص سيوفه، فأظهر عبد الملك السرور بذلك، وشكر الخليفة، وقبل يده، وانصرف إلى قصره بالزاهرة.
وجلس يوم الأربعاء ثاني يوم وصوله مجلس التهنئة في أبهة فخمة، وأذن للناس في الوصول على مراتبهم، فوصل في أوائلهم كبار قريش، من بيت الخليفة، المروانيون، ثم القضاة والحكام والفقهاء، ثم وجوه أهل الأسواق والأرباض من قرطبة، ثم وصل الشعراء والأدباء، فأنشد منهم من رسمه الإنشاد، ووضع سائرهم الأشعار بين يدي الحاجب. انتهى نقلا عن ابن عذارى ببعض اختصار.
وجاء في الأنسكلوبيدية الإسلامية عن برشلونة ما محصله: أن العرب افتتحوها سنة 713 في غارة موسى بن نصير لأول الفتح، وسموها برشينونة
Barshinona
ولكن غلب عليها اسم برشلونة، باللام، ثم صارت برسلونة بالسين. وكان العرب يلقبون ملك أراغون وكتلونية بالبرشلوني أو بالبرجلوني بالجيم. وفي سنة 801 غلب عليها لويس بن شارلمان، وبقيت تابعة للملكة الإفرنجية إلى سنة 888، ففي ذلك الوقت استقل بها أمراؤها الذي كان يقال للواحد منهم كونت برشلونة. وقد ذكر «البيان المغرب» أنه في سنة 242 عاد العرب فاحتلوها، كما أن دوزي ذكر أن المنصور بن أبي عامر أخذ برشلونة عنوة، ولكن في سنة 987 رجع الكونت بوريل
Borel
فاستولى عليها، وفي سنة 1137 انضمت إلى مملكة أراغون.
ومما هو جدير بالذكر من خبر برشلونة أن عليا بن مجاهد العامري، ملك دانية أصدر أمرا تاريخه 450 وفق 1058 للمسيح، يضع فيه أسقفيات دانية، وأوريولة، وجزر ميورقة، ومينورقة، ويابسة، تحت رئاسة أسقف برشلونة.ا.ه.
وقد راجعنا قول دوزي في كتابه «تاريخ مسلمي أسبانية» فوجدناه يقول في صفحة 199 من الجزء الثالث أن المنصور بن أبي عامر رحل من مرسية قاصدا كتلونية فهزم الكونت بوريل، ووصل نهار الأربعاء أول يوليو إلى برسلونة. ويوم الاثنين من الأسبوع التالي دخل البلدة عنوة، فقتل جانبا من الأهالي، وأخذ الباقي أسرى وانتهب العسكر البلدة وأحرقوها. ونقل دوزي عن ابن الخطيب أن المنصور استولى على برشلونة في وسط صفر سنة 375، فهذا اليوم يوافق 6 يوليو سنة 985 قال دوزي إن هذا التاريخ صريح في كتب العرب، وهو مطابق تواريخ الإفرنج وقد أخطأ بوفارول