تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واتصل ورود المطوعة من كل قوم، وكل ناحية، فتكاملت الحشود بالحضرة، ودنا وقت المعركة، فصب المال صبا. وعهد عبد الملك إلى خزان الأسلحة بتوزيع خمسة آلاف درع، وخمسة آلاف بيضة، وخمسة آلاف مغفر، على طبقات الأجناد الدارعين.

وركب عبد الملك إلى المسجد الجامع لشهود عقد الألوية ، على عادة أمراء الأندلس قبله وذلك يوم الجمعة لثمان خلون من شعبان من تلك السنة، ثم خرج يوم الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من شعبان، من باب الفتح الشرقي، من أبواب الزاهرة، وقد اجتمع الناس لرؤيته، فخرج عليهم شاكي السلاح، في درع جديدة سابغة، وعلى رأسه بيضة حديد مثمنة الشكل، مذهبة، شديدة الشعاع، وقد اصطفت القواد والموالي والغلمان في أحسن تعبئة، وسار عبد الملك إلى أن نزل بمنية أرملاط، أول محلاته، ثم سار إلى أن وصل طليطلة، لسبع بقين من شعبان فتلوم بها يوم الجمعة، ورحل يوم السبت إلى مدينة سالم، فوافاه هناك عدة زعماء من وجوه النصارى وفرسانهم، أرسل بعضهم ملك القوط يومئذ، أذفونش بن أردن، المعروف بابن البربرية ومعهم آخرون ممن أرسل بهم خاله شانجه بن غرسية، زعيم الجلالقة، وصاحب قشتيلة وألبة، وحضر هؤلاء الأرهاط للغزو بين يدي عبد الملك، على ما تضمنه شرط سلمهم المنعقد أول هذه السنة، فأحسن عبد الملك قبولهم، وأوسع إنزالهم، وأصعد عن مدينة سالم إلى الثغر الأعلى، فاحتل سرقسطة.

وأخرج عبد الملك مولاه واضحا، في نخبة من رجاله، إلى حصن «مدنيش»

3

بمقربة من حصن «ممقصر»

4

الذي عمل على قصده، فسار واضح فصبح هذا الحصن مع إسفار الصبح، ورحل عبد الملك، فتلقته رسل واضح، فبشروه بالفتح، وأشرف المسلمون على حصن ممقصر، فكبروا لما نظروا إليه تكبيرا عاليا، كادت الأرض ترتجف له! وتتابع قرع الطبول، وطم هوله، فذعر الكفرة، لأول وقتهم، واحتل الحاجب عبد الملك وعسكر المسلمين بساحتهم، فأحاطوا بالحصن من جميع جهاته، وصمم المسلمون صاعدين إلى الحصن، فوجا إثر فوج، وقد برز المشركون إلى الربض، يمانعونهم عنه بزعمهم، فنشب القتال بين الطائفتين، وصبر المشركون، فلم يمهلهم المسلمون إلا ريثما كشفوهم عن الربض، وأقحموهم خلف السور، واضطروهم إلى التحصن به. ثم جد الكفرة في الدفاع، وصدقوا القراع، فتجرعوا كئوس الحمام دراكا، وضرب الليل رواقه، فحجز بين الفريقين، وقد ثلم المسلمون في السور ثلما كثيرة.

ثم غدا المسلمون على القتال بعد صلاة الفجر، فناهضوا أعداء الله بأصح عزيمة، وقامت الحرب على ساق، فصبر المسلمون على مباشرتها أكرم صبر سمع به، حتى ولى العدو الأدبار، فاقتحموا عليهم الأسوار، وأخذوا كثيرا منهم، وركب الحاجب عجلا بنفسه، مع أكابر أهل مركبه، فارتقى إلى باب قصبتهم، واقتحم الناس على أعداء الله القصبة، فملكوها، وخلصت طائفة منهم إلى محل منيع بهذه القصبة، فساورهم أولياء الله بذروة ذلك المحل، فأيقنوا بالهلاك، وسألوا النزول على حكم الحاجب فأنزلهم، وحكم فيهم بحكم ابن عمه سعد بن معاذ، رضي الله عنه، فقتل جميعهم وملك الحصن، وحاز الغنائم.

وعهد الحاجب إلى المسلمين ألا يحرقوا منزلا، ولا يهدموا بناء، بما ذهب إليه من أسكان المسلمين هناك، فشرع للوقت في إصلاح الحصن، ونادى في المسلمين: من أراد الإثبات في الديوان بدينارين في الشهر، على أن يستوطن في هذا الحصن، فعل، وله مع ذلك المنزل والمحرث. فرغب في ذلك خلق عظيم، واستقروا به في حينهم.

ولما استكمل الحاجب ما أراده من أمر هذا الحصن، أقام كلمة الإسلام منه بأرض لم تر الإسلام قط، رحل عنه إلى بسيط برشلونة، فدوخ بلاد الكفرة، وانبسط المسلمون في عرصاتهم، يحرقون ويهدمون، وانبسطت خيل المغيرة في أرضهم إلى أن أتى بسيطا كثير العمارة، فاحتلوه، وعموا جميعه، ووقعوا على كثير من عيال الجالية من هذه الحصون، فردوهم سبيا إلى المحلة، وأبلغوا في النكاية، وأحرزوا الأجر الجزيل.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٢٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢٢٤