وكان الفرنج في حصارها، قد قسموا جيشهم إلى ثلاثة أقسام: قسم منهم كان يهاجم نفس برشلونة، وقسم ثان، يقوده غليوم كونت طلوزة، كان يرابط في الممر الذي كانت تفيض منه جيوش المسلمين المقبلة من قرطبة لنجدة برشلونة، وقسم ثالث كان يقوده الملك لويس نفسه. وكان في جبال البرانس يحمل على المسلمين حتى وجد الفرصة ملائمة، وكان الإفرنج قد تقاسموا أعمال الحصار فيما بينهم، حتى يتهيأ لكل فريق منهم أن يتقن عمله، فمنهم من كان شغله وضع السلالم، والتسلق على الأسوار والأبراج، ومنهم من لم يكن له شغل غير جلب الميرة والعدة. ومنهم من كان موكولا إليه الحفر والنقب. ومنهم من كان معهودا إليه بوظائف أخرى. فاشتد الحصار إلى درجة غير معهودة، وجاءت جيوش المسلمين لتفرج عن برشلونة، فلم تقدر على النفوذ إليها، فتحولت إلى بلاد اشتورية، وهزمت أهلها، فبقي أمير برشلونة منفردا بقوته، والمدد بعيد عنه، وخرج في إحدى المعارك لقتال الإفرنج المحاصرين، فأخذ أسيرا ثم حمل الإفرنج على البلدة حملتهم الأخيرة ففتحوها.
وكان فتح الإفرنج لبرشلونة سنة 801 بعد أن بقيت تسعين سنة في أيدي المسلمين. فلما دخلوها بادروا بتحويل جوامعها كنائس، وأرسل الملك لويس إلى أبيه شارلمان جانبا من الغنائم، من دروع، وزرود، وخوذ، وخيول مسرجة بأفخر السروج، وبعد ذلك أصبح لفرنسة منطقتان في شمالي أسبانية: إحداهما كتلونية، وقاعدتها برشلونة، والثانية غشقونية، ومن مضافاتها نبارة وأراغون.
أما مؤرخو العرب فينسبون سقوط برشلونة على تأثير الفتنة التي أثارها سليمان وعبد الله، عما الحكم الأموي، وشغلته عن أمجاد تلك المدينة، كما جاء في كلام أبي الفداء وابن خلدون والمقري وغيرهم، وهذا هو الصحيح.
وبقيت برشلونة وما يليها من كتلونية، حاشا طركونة، ولاردة، وطرطوشة، خارجة عن حكم العرب، حتى في زمن عبد الرحمن الناصر، برغم كثرة غزواته، وعظمة دولته. وقد ذكر المسعودي، وهو ممن عاصر الناصر وولده المستنصر، أن الحدود بين المسلمين والنصارى كانت في ذلك الوقت طرطوشة، ومنها إلى أفراغه. وقال ابن خلدون إنه لأول وفاة الناصر طمع الجلالقة في الثغور، فغزاهم الحكم المستنصر بنفسه، ونازل شفت اشتابين، وفتحها عنوة، فبادروا إلى عقد السلم معه، وانقبضوا عما كانوا فيه، ثم أغزى غالبا مولاه بلاد جليقية وسار إلى مدينة سالم لدخول دار الحرب، فجمع له الجلالقة، فهزمهم واستباحهم.
وكان شائجه بن ردمير، ملك البشكنس ، قد انتقض، فأغزاه الحكم التجيبي، صاحب سرقسطة، في العساكر، وجاء ملك الجلالقة لنصره فهزمهم، ثم أغزى الحكم بن يعلى ويحيى بن محمد التجيبي إلى بلاد برشلونة، فعاثت العساكر في نواحيها.
قال ابن خلدون: ثم بعث ملكا برشلونة وطركونة يسألان تجديد الصلح، وإقرارهما على ما كانا عليه، وبعثا بهدية، وهي عشرون صبيا من الخصيان الصقالبة، وعشرون قنطارا من صوف السمور، وخمسة قناطير من القصدير، وعشرة أذرع صقلبية، ومائتا سيف إفرنجية. فتقبل الهدية وعقد على أن يهدموا الحصون التي تضر بالثغور، وأن لا يظاهروا عليه أهل ملتهم، وأن ينذروا بما يكون من النصارى في الإجلاب على المسلمين.ا.ه.
ومن هنا يعلم أن برشلونة وطركونة ونواحيهما كانت في ذلك الوقت، وهو أواسط القرن الرابع للهجرة، في أيدي أهلها، إلا أن ملوك تلك النواحي كانوا يعدون أنفسهم تحت سيادة الخليفة في قرطبة.
وفي زمن أبي مروان المظفر عبد الملك بن المنصور بن أبي عامر كانت غزاة المسلمين في كتلونية، لأن ابن عذارى ذكر أنه في سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة كانت أولى غزوات المظفر إلى بلاد الإفرنج، وفتح حصن «ممقصر» من ثغر برشلونة عنوة، وأسكنه بالمسلمين ودوخ بسيط برشلونة، وما اتصل به. قال ابن حيان: وأظهر عبد الملك المظفر الجد في أمر هذه الغزوة، غرة رجب من السنة، أي 393، ودفع المعاريف والصلات إلى طبقات الأجناد الغازين معه فيها، ووافت الحضرة طوائف كثيرة من مطوعة العدوة المجاهدين، فيهم جماعة كبيرة من أمرائهم وفقهائهم، وتعرض قوم من أمراء هذه القبائل لصلة عبد الملك، فأطلق لهم عند تكاملهم ببابه خمسة عشر ألف دينار عينا، وزعها عليهم بحسب مقاديرهم، معونة على جهادهم، قبلوها منه بالتأول. وتحرج آخرون ممن وافى معهم عن فعلهم.