تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وفي ذلك الوقت كان عبد الله، عم الحكم أمير قرطبة، قد استولى على طليطلة وعمه الآخر سليمان استقر في بلنسية، فسرح جيشا لقتال عمه عبد الله في طليطلة، وسار هو بنفسه مع جيش من الفرسان قاصدا البيرانة، فأدخل في الطاعة برشلونة وغيرها من المدن التي كانت أشرطت نفسها للعصيان. انتهى

وأيدت رواية رينو برواية نفح الطيب عن هذه الحوادث، وهي هذه: وفي سنة اثنتين وتسعين ومائة جمع لذريق بن قارلة، ملك الفرنج، جموعه، وسار لحصار طركونة، فبعث الحكم ابنه عبد الرحمن في العساكر فهزمه، ففتح الله على المسلمين وعاد ظافرا. ولما كثر عبث الفرنج في الثغور، بسبب اشتغال الحكم بالخارجين عليه، سار بنفسه إلى الفرنج سنة ست وتسعين، فافتتح الثغور والحصون، وخرب النواحي، وأثخن في القتل والسبي، وعاد إلى قرطبة ظافرا. ا.ه.

قلت: لعل صاحب نفح الطيب يعني بلذريق بن قارلة لويس بن شارلمان، أما الأمير المسلم الذي كان في ناحية وشقة ويسميه الإفرنج «بهالوك» فنرجح أنه هو بهلول بن مخلوق، من عمال قرطبة. وكان قد انضم إلى لويس بن شارلمان في تلك الغارة.

فالمؤرخ كوندي الإسبانيولي يقول: إن الحكم لم يتمتع طويلا بالراحة التي كان وطد أطنابها بتعبه وجهاده، ففي سنة 801 مسيحية، وفق 185 هجرية، تحرك ملك أشتورية وأراد التجاوز على المسلمين، ولما كان يعلم نفسه أضعف من أن يقدر عليهم، استنجد بشارلمان، وهذا أسرع لنجدته، مؤملا بذلك الاستيلاء على أسبانية الشمالية وضمها إلى مملكته، فجعلت أمداد شارلمان تثوب إلى الإسبانيول، تحت قيادة ولده لويس ملك أكيطانية، فزحف لويس واستولى على مدينة جيرونة وجاء فحاصر برشلونة، وانضم إليه بهلول بن مخلوق (الذي نحت منه الإفرنج اسم باهلوك) من عمال أمير قرطبة، وسار بالفرنسيس إلى طرطوشة، فزحف الحكم بنفسه، ومعه عمروس، ومحمد بن مفرج، قائد الخيالة. الذي كان عظيم الاعتماد عليه، نظرا لدهائه وإقدامه، ثم أغار الحكم على نبارة وبنبلونة، ودخل وشقة. فخشي الأذفونش على بلاده، وحشد عساكره، وزحف إليه يوسف بن عمروس، فأوقعه الأذفونش في كمين، وأخذه أسيرا، فدفع عليه أبوه فدية جسيمة حتى أنقذه.

وأما الحكم فكان يتوقد صدره إحنة على بهلول بن مخلوق عامله، الذي انحاز إلى الفرنسيس، ومشى بين أيديهم. ولما عرف أنه في جوار طركونة، عمد إليه من فوره، ولم يزل في أثره حتى ثقفه في طرطوشة بعد أن هزمه، ثم احتز رأسه، ورجع الحكم إلى قرطبة بدون أن يتعرض لبرشلونة، وذلك خوفا من الفشل في حصارها ا.ه.

وقال المستشرق رينو - الذي اعتمدنا على كتابه «غارات العرب في بروفنس وبيمونت وسويسرة» لأنه أشهر كتاب في هذا الموضوع، وكل جملة فيه تقريبا مدعومة بالوثائق، مؤيدة بروايات مؤرخي ذلك العصر، سواء من الإفرنج أو من العرب - ما يلي:

ولم يكن شيء من تلك الغارات، سواء من جهة العرب أو من جهة الإفرنج، ليؤدي إلى نتيجة حاسمة، يصبح منها أحد الفريقين ملكا. أو يحوز فتحا مبينا. وكان أهم ما لقيه الفرنسيس في هذه الحرب، هو أن أمراء المسلمين الذين كانوا أظهروا الطاعة لشارلمان، أبوا أن يقلبوها عندما جاءت جيوشه إلى بلادهم، وأصلوها نارا حامية. وكان المسلمون لا يزالون أصحاب المدن الكبرى، والمعاقل المنيعة، مثل برشلونة، وطرطوسة، وسرقسطة. وكانت برشلونة، بنوع خاص، بحصانة موقعها، وبقربها من فرنسة، وبكونها مدينة بحرية، هي من أشد البلاد نكاية بالفرنسيس وكان الأمير الذي فيها، وهو الذي يسميه الإفرنجة «زاتون

2 » وقد أوهم شارلمان أنه يريد الدخول في طاعته، ولكن عندما حضر الفرنسيس أمام بلدته، قلب لهم ظهر المجن، وكشر عن ناب العدواة، فأجمع لويس شارلمان، ملك أكيطانية، بالاتفاق مع غليوم، كونت طلوزة، وبرأي مجمع مؤلف من أمراء تلك البلاد، أن يستولى على برشلونة في أول فرصة. وكان شارلمان يومئذ في رومة مشغولا بقضية تتويجه إمبراطورا على الغرب. وكانت برشلونة قد أصبحت للمسلمين معقلا متينا، وكانت تصدر عنها فرسان تلك الخيل المشهورة بخفة الحراكات، فتبث الغارات في بلاد النصارى وتعود وأيديها ملأى بالغنائم، وكانت من المنعة بحيث إن الفرنسيس لبثوا سنتين يحصرونها، ويضيقون عليها، ويكتسحون نواحيها، ولم يقدروا على دخولها.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٢٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢٢٢