تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم إنه في نفخ الطيب مذكور فتح هشام بن عبد الرحمن الداخل لمدينة أربونة الشهيرة من جنوبي فرنسة، ولا يقدر الأمير هشام المذكور أن يفتح أربونة وهي في الجوف، على مسافة غير قصيرة إلى الشمال من البرانس، أو جبل البرتات، إلا إذا كان استولى على كتلونية. وجاء في نفح الطيب أن الأمير هشام بعث سنة ست وسبعين ومائة وزيره عبد الملك بن عبد الواحد بن مغيث، لغزاة العدو، فبلغ ألبة والقلاع، وأثخن في نواحيها، ثم بعثه بالعساكر سنة سبع وسبعين إلى أربونة وجيرندة فأثخن فيهما، ووطئ أرض برطانية. ا.ه.

وقد نقلت هذه الفقرة في كتابي «غزوات العرب في أوربة» وعلقت عليها بقولي: الأرجح أن لا يكون المراد هنا ببرطانية، برطانية الأفرنسية، بل امبرطانية الكتلانية. وعند ذلك يلزم أن لا تكون البلاد المذكورة قبلها جيرندة التي هي في جنوبي فرنسة، والتي قاعدتها بوردو، بل جيرندة التي هي من مقاطعات كتلونية، أي جيرندة التابعة لبرشلونة، والتي يقال لها اليوم جيرونة، فإن اسمها الروماني القديم جيرونده

Gerunda . وكان اسمها هذا هو المستعمل يوم فتحها العرب. نبهني إلى ذلك ولدنا الفاضل محمد الفاسي الفهري، وقال لي إنه لم يزل بفاس إلى الآن عائلة من الأندلس، يقال لها عائلة الجيرندي، نبغ منها علماء مثل أبي العباس أحمد بن علي بن عبد الرحمن الجيرندي الأندلسي، المتوفي بفاس سنة 1125، ترجمه القادري في نشر المثاني، والكتاني محمد بن جعفر في سلوة الأنفاس. ولا شك في أن العرب سكنوا جيرندة الكتلونية طويلا، ولكنهم لم يسكنوا جيروندة التي عاصمتها بوردو، ولا عرفوها إلا في الغزوات، عابري سبيل. روى لي محمد الفاسي أن المستشرق الأسباني قديرة، كتب فصلا خاصا عن فتح العرب للمدن الثلاثة: برشلونة، وجيرندة، وأربونة، يتلخص منه أن العرب فتحوا جيرندة، عندما فتحوا الأندلس، وبقيت في أيديهم حتى انتزعها منهم شارلمان سنة 785، ثم استردها العرب سنة 793، ثم أخذت منهم سنة 797 أو 798، ثم عادوا ففتحوها، ثم أخرجوا منها نهائيا سنة 800.

وفي الصفحة 116 من كتابنا «غزوات العرب في أوربة» ذكرت نقلا عن المستشرق الفرنسي رينو، ما يلي: منذ استرجع «ببين» القصير أربونة، وأجلى العرب عنها، سكنت الأمور بين مسلمي الأندلس والفرنسيس. وكان ببين يعد البيرانة هي التخم الطبيعي بين فرنسة وأسبانية . وكان عبد الرحمن (يريد الداخل) مشغولا حينئذ بمحاربة الأمراء الخارجين عليه. ولم يكن ببين يهمل شيئا من الوسائل لإثارة نيران الفتنة بين المسلمين. وسنة 759 أي بعد استرداد الفرنسيس لأربونة (وقرقشونة

Carcassona ) دخل أمير برشلونة، المسمى سليمان في علاقات مع ببين وتعاهد معه. ومؤرخو الفرنسيس يزعمون أنه انضوى تحت لواء ببين، ولكن الأصح أن يقال إنه ما قصد إلا أن يستعين به على الاستقلال عن سلطانه. ومن بعد ذلك أصبحت هذه خطة أمراء المسلمين في شمالي الأندلس فيوم يضغط عليهم السلطان في قرطبة، يلجئون إلى فرنسة، ينشدون عندها التنفيس من خناقهم. وإذا ظهرت لهم مطامع الفرنسيس بحق بلادهم عادوا إلى رئيسهم في قرطبة، واعتصموا به. انتهى كلام رينو.

وعلقت على هذا الكلام ما يلي: سليمان الأعرابي الكلبي أمير برشلونة كانت بينه وبين شارلمان علاقات، مذ كان أميرا بسرقسطة. وانظر ما يقوله صاحب أخبار مجموعة: ثم ثار سليمان الأعرابي بسرقسطة، وثار معه حسين بن يحيى الأنصاري، من ولد سعد بن عبادة، فبعث إليه الأمير (يعني عبد الرحمن الداخل) ثعلبة بن عبد في جيش، فنازل أهل المدينة، وقاتلهم أياما، ثم إن الأعرابي طلب الفرصة من العسكر فلما وضع الناس عن أنفسهم الحرب، وقالوا قد أمسك عن الحرب، أغلق أبواب المدينة، وأعد خيلا، ثم لم يشعر الناس حتى هجم على ثعلبة فأخذه في المظلة فصار عنده أسيرا، وانهزم الجيش، فبعث به الأعرابي إلى قارلة، فلما صار عنده طمع قارلة في مدينة سرقسطة من أجل ذلك، فخرج حتى حل بها، فقاتله أهلها ودفعوه أشد الدفع، فرجع إلى بلده. انتهى

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٢٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢٢٠