قال ابن حيان: وأختم هذه الأخبار الموقظة لقلوب أولي الألباب بنادرة يكتفى باعتبارها عما سواها، وهي أن بعض تجار اليهود جاء بربشتر بعد الحادثة، ملتمسا فدية بنات بعض الوجوه، ممن نجا من أهلها، حصلن في سهم قومس من الرابطة فيها كان يعرفه. قال: فهديت إلى منزله فيها. واستأذنت عليه، فوجدته جالسا مكان رب الدار، مستويا على فراشه، رافلا في نفيس ثيابه، والمجلس والسرير كما خلقهما ربهما يوم محنته، لم يغير شيئا من رياشهما وزينتهما، ووصائفه مضمومات الشعور، قائمات على رأسه، ساعيات في خدمته. فرحب بي وسألني عن قصدي، فعرفته وجهه، وأشرت إلى وفور ما أبذله في بعض اللواتي على رأسه، وفيهن كانت حاجتي فتبسم وقال بلسانه: ما أسرع ما طمعت في من عرضناه لك! أعرض عمن هنا، وتعرض لمن شئت ممن سيرته لحصني، من سبي وأسراي، من أقاربك في من شئت منهم. فقلت له: أما الدخول إلى الحصن فلا رأي لي فيه، وبقربك أنست، وفي كنفك اطمأننت، فسمني ببعض من هنا؛ فإني أصير إلى رغبتك، فقال: وما عندك؟ قلت: العين الكثير الطيب، والبز الرفيع الغريب. فقال: كأنك تشهيني ما ليس عندي! يا باجه - ينادي بعض أولئك الوصائف، يريد يا بهجة، فغيره بعجمته - قومي فأعرضي عليه ما في ذلك الصندوق. فقامت إليه، وأقبلت ببدر الدنانير، وأكياس الدراهم، وأسفاط الحلي، فكشفت، وجعلت بين يدي العلج، حتى كادت تواري شخصه، ثم قال لها: أدني إلينا من تلك التخوت، فأدنت منه عدة من قطع الوشي والخز والديباج الفاخر، مما حار له ناظري، وبهت، واسترذلت ما عندي. ثم قال لي: لقد كثر هذا عندي حتى ما ألذ به. ثم حلف بإلهه: إنه لو لم يكن عندي شيء من هذا ثم بذل لي بأجمعه في ثمن تلك، ما سخت بها يدي، فهي ابنة صاحب المنزل، وله حسب في قومه، اصطفيتها لمزيد جمالها لولادتي، حسبما كان قوما يصنعون بنسائنا نحن، أيام دولتهم، وقد ردت لنا الكرة عليهم، فصرنا في ما تراه، وأزيدك بأن تلك الخود الناعمة - وأشار إلى جارية أخرى قائمة إلى الناحية - مغنية والدها، التي كانت تشدو له على نشوائه، إلى أن أيقظناه من نومائه. يا فلانة، يناديها بلكنته: خذي عودك فغني زائرنا بشجوك. قال: فأخذت العود وقعدت تسويه وإني لأتأمل دمعها يقطر على خدها، فتسارق العلج مسحه، واندفعت تغني بشعر ما فهمته أنا، فضلا عن العلج، فصار من الغريب أن حث شربه عليه، وأظهر الطرب منه. فلما يئست مما عنده، قمت منطلقا عنه، وارتدت لتجارتي سواه، واطلعت لكثرة ما لدى القوم من السبي والمغنم على ما طال عجبي به، فهذا فيه مقنع لمن تدبره، وتذكر لمن تذكره!
قال ابن حيان: قد أشفينا بشرح هذه الحالة الفادحة، على مصائب جليلة مؤذنة بوشك القلعة ، طالما حذر أسلافنا لحاقها، بما احتملوه عمن قبلهم من إثارة، ولا شك عند ذوي الألباب أن ذلك مما دهانا من داء التقاطع، وقد أمرنا بالتواصل والألفة، فأصبحنا من استشعار ذلك، والتمادي عليه على شفا جرب، يؤدي إلى التهلكة لا محالة. انتهى ببعض اختصار.
قال المقري: وذكر بعده كلاما في ذم أهل ذلك الزمان، من أهل الأندلس، وأنهم يعللون أنفسهم بالباطل، وأن من أدل الدلائل على جهلهم اغترارهم بزمانهم، وبعدهم عن طاعة خالقهم، ورفضهم وصية نبيهم، وغفلتهم عن سد ثغورهم، حتى أطل عدوهم الساعي لإطفاء نورهم، يجوس خلال ديارهم، ويستقري بسائط بقاعهم، ويقطع كل يوم طرفا، ويبيد أمة، ومن لدينا وحوالينا من أهل كلمتنا، صموت عن ذكرهم، لهاة عن بثهم، ما إن يسمع عندنا بمسجد من مساجدنا، أو محفل من محافلنا، مذكر لهم أو داع، فضلا عن نافر إليهم، أو ماش لهم، حتى كأنهم ليسوا منا، أو كأن بثقهم ليس بمفض إلينا، وقد بخلنا عليهم بالدعاء، بخلنا بالعناء، عجائب فاتت التقدير، ولله عاقبة الأمور وإليه المصير. انتهى.