قال المقري: ولقد صدق ابن حيان رحمه الله تعالى، فإن البثق سرى إليهم جميعا كما ستراه، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ونقل المقري عن ابن حيان أيضا في هذه الفادحة ما يلي: أن بربشتر هذه تناسختها قرون المسلمين، منذ ثلاثمائة وثلاث وستين سنة، من عند الفتوح الإسلامية بجزيرة الأندلس، فرسخ فيها الإيمان، وتدورس القرآن، إلى أن طرق الناعي بها قرطبتنا صدر رمضان من العام، فصك الأسماع، وأطار الأفئدة، وزلزل أرض الأندلس قاطبة، وصير لكل شغلا يشغل الناس في التحدث به، والتساؤل عنه، والتصور لحلول مثله أياما، لم يفارقوا فيها عاداتهم من استبعاد الوجل، والاغترار بالأمل، والاستناد إلى أمراء الفرقة الهمل، الذين هم منهم ما بين فشل ووكل، يصدونهم عن سواء السبيل، ويلبسون عليهم وضوح الدليل. ولم تزل آفة الناس منذ خلقوا في صنفين، هم كالملح فيهم: الأمراء والفقهاء، بصلاحهم يصلحون، وبفسادهم يفسدون، فقد خص الله تعالى هذا القرن الذي نحن فيه من اعوجاج صنفيهم لدينا بما لا كفاية له، ولا مخلص منه.
فالأمراء القاسطون قد نكبوا عن نهج الطريق، زيالا عن الجماعة، وجريا إلى الفرقة. والفقهاء أئمتهم صموت عنهم، صدوف عما أكده الله تعالى عليهم، من التبيين لهم، قد أصبحوا ما بين آكل من حلوائهم، وخابط في أهوائهم، وبين مستشعر مخافتهم، آخذ في التقية من صدقهم. وأولئك هم الأقلون فيهم. فما القول في أرض فسد ملحها، الذي هو مصلح لجميع أغذيتها، وما هي إلا مشفية على بوارها. ولقد طما العجب من أفعال هؤلاء الأمراء! لم يكن عندهم لهذه الحادثة إلا الفزع لحفر الخنادق وتعلية الأسوار، وشد الأركان، وتوثيق البنيان، كاشفين لعدوهم عن السوأة السوأى من إلقائهم يومئذ بأيديهم إليه أمورا قبيحات الصور، مؤذنات الصدور بإعجاز الغير
أمور لو تدبرها حكيم
إذن لنهى وحبب ما استطاعا
انتهى باختصار.
ثم قال ابن حيان: فلما كان عقب جمادى الأولى سنة 57 شاع الخبر بقرطبة برجوع المسلمين إليها - أي إلى بربشتر - وذلك أن أحمد المقتدر بن هود المفرط فيها والمتهم على أهلها، لانحرافهم إلى أخيه، صمد لها مع إمداد الخليفة عباد، وسعى لإصمات سوء المقالة عنه، وقد كتب الله تعالى عليه ما لا يمحوه إلا عفوه، فتأهب لقصد بربشتر في جموع من المسلمين، فجالدوا الكفار بها جلادا ارتاب منه كل جبان، وأعز الله سبحانه أهل الحفيظة والشجعان، وحمي الوطيس بينهم إلى أن نصر الله تعالى أولياءه وخذل أعداءه، وولوا الأدبار مقتحمين أبواب المدينة، فاقتحمها المسلمون عليهم، وملكوها أجمعين، إلا من فر من مكان الوقعة، ولم يدخل المدينة، فأجيل السيف في الكافرين واستؤصلوا أجمعين، إلا من استرق من أصاغرهم، وفدي من أعاظمهم، وسبوا جميع من كان فيها من عيالهم وأبنائهم، ومسكوا المدينة بقدرة الخالق البارئ، وأصيب في منحة النصر المتاح، طائفة من حماة المسلمين الجادين في نصر الدين، نحو الخمسين، كتب الله تعالى شهادتهم وقتل فئة من أعداء الله الكافرين نحو ألف فارس وخمسة آلاف راجل فغسلها المسلمون من رجس الشرك وجلوها من صدأ الإفك. انتهى.
قلنا قد ظهر من هذا النقل أن المقري، ومن قبله ابن عذارى، إنما نقلا تاريخ فاجعة بربشتر عن ابن حيان لأن بعض الجمل مثل «فغسلها المسلمون من رجس الشرك وجلوها من صدأ الإفك» مذكورة في نفخ الطيب نقلا عن ابن حيان، وأيضا في البيان المغرب لابن عذارى، وكذلك يوجد اتفاق في بعض الروايات مثل أنه استشهد من المسلمين يوم ارتجعوا بربشتر نحو الخمسين، وأن العدو فقد يومئذ ألف فارس وخمسة آلاف راجل، إلا أنه موجود بين روايتي ابن حيان وابن عذارى اختلافات في بعض التفاصيل؛ فإن ابن عذارى لم يذكر تقصير يوسف بن سليمان بن هود في حماية بربشتر، ولا ذكر أيضا أن أحمد المقتدر أخاه فرط في أمرها لانحراف أهلها إلى أخيه يوسف من وجود العداوة بينهما. والحال أنه من سياق الكلام، ومن قول ابن حيان أن العدو أقام يحاصر بربشتر أربعين يوما، يظهر للقارئ أن التفريط وقع من بني هود في أمرها سواء كان يوسف بن هود أو أخوه أحمد، وأن أهل بربشتر كانوا من حزب يوسف، فبهذا السبب تركهم أحمد الذي كان أميرا لسرقسطة ولم ينجدهم. وكذلك يوسف تأخر عن نصرتهم، ولا سبب في ذلك، والله أعلم، سوى خوفه من أخيه، لأنهما كانا في شقاق بعيد، وكل منهما يستنصر بالطاغية ابن ردمير على أخيه فتأخر يوسف وتأخر أحمد عن نجدة أهل بربشتر بخوف كل منهما من الآخر. فجرى على بربشتر ما جرى من الفاجعة التي ندر وقوع مثلها في الإسلام. ولا شك في أنه تحدث المسلمون بهذا الخبر في كل ناد، وجعلوا التبعة في هذه الفجيعة على بني هود، ولاسيما على أحمد بن سليمان بن هود الملقب بالمقتدر صاحب سرقطة لأنه كان أقدر من أخيه على إصراخ أهل تلك البلدة، فلذلك عمد أحمد لإصمات سوء المقالة عنه، كما قال ابن حيان، وصمد إلى بربشتر بجموع المجاهدين واسترجعها، وشفى صدور المسلمين مما كان فجعهم من حادثتها، فقال ابن عذارى: وشاع لابن هود صنيع في بلاد المسلمين لهذا الفتح الذي اتفق على يديه. ولكن ابن حيان يقول: إن الله تعالى كتب عليه من حادثة بربشتر ما لا يمحوه إلا عفوه. وبالاختصار يظهر للمتأمل أن جميع ما حل بالمسلمين من الفجائع في الأندلس إنما كان نتيجة انقسامهم، واشتغالهم بمحاربة بعضهم بعضا، واستظهارهم بملوك الإسبانيول على إخوانهم، ولما كانت الإمارة الإسلامية موحدة في قرطبة والكلمة مجتمعة، كان يبعد أن يقع بهم ما وقع في ما بعد، وكانوا لو أصيبوا في حادثة واحدة لم يمض وقت حتى يجبروا كسرها، بخلاف ما آل إليه أمرهم في زمن ملوك الطوائف، عندما سقطت الخلافة في قرطبة ووقعت الفتنة الكبرى بين العرب والبربر، وصارت كل مدينة من مدن الأندلس مستقلة بنفسها، فيها أمير المؤمنين ومنبر. فأصل فساد أمر الأندلس إنما كان من سوء أحوال أمرائها، وتنزي جميعهم على الملك، غير ناظرين إلى العواقب، وفي جانب هذا الفساد لم يكن من صلح الفقهاء ما يقوم الأود، بل غلب على هؤلاء حب الدنيا، كما قال ابن حيان في ما نقلناه عنه، وهو عين ما ذكرناه نحن في رسالتنا المشهورة «لماذا تأخر المسلمون ولماذا تقدم غيرهم؟» قلت في الصفحة 43 من الطبعة الأولى من تلك الرسالة: