تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال البكري: أدخل منها سرقسطة نحو ألف سبية، ونحو ألف فارس، ونحو ألف درع، وأموال وأثاث، وكان أخذها في جمادى الأولى من سنة سبع وخمسين وأربعمائة، فكان بين دخول الروم إليها وعودها للمسلمين سنة كاملة، وشاع لابن هود صنيع في بلاد المسلمين لهذا الفتح الذي اتفق على يديه. انتهى ما قاله ابن عذارى عن فاجعة بربشتر، وانتقام المسلمين لها.

ونقل المقري في النفح عن ابن حيان ما يلي قال: وكان تغلب العدو، خذله الله تعالى، على بربشتر، قصبة بلد برطانية، وهي تقرب من سرقسطة، سنة ست وخمسين وأربعمائة، وذلك أن جيش الأردمليش نازلها وحاصرها، وقصر يوسف بن سليمان بن هود في حمايتها، ووكل أهلها إلى نفوسهم، فأقام العدو عليها أربعين يوما، ووقع ما بين أهلها تنازع في القوت لقلته، واتصل ذلك بالعدو، فشد القتال عليها والحصر لها، حتى دخل المدينة الأولى في خمسة آلاف مدرع، فدهش الناس، وتحصنوا بالمدينة الداخلة، وجرت بينهم حروب شديدة، قتل فيها خمسمائة إفرنجي. ثم اتفق أن القناة التي كان الماء يجري فيها من النهر إلى المدينة تحت الأرض في سرب موزون انهارت، وفسدت، ووقعت فيها صخرة عظيمة سدت السرب بأسره، فانقطع الماء عن المدينة. ويئس من بها من الحياة، فلاذوا بطلب الأمان على أنفسهم خاصة، دون مال وعيال، فأعطاهم العدو الأمان، فلما خرجوا نكث بهم وغدر، وقتل الجميع إلا القائد ابن الطويل، والقاضي ابن عيسى، في نفر من الوجوه، وحصل للعدو من الأموال والأمتعة ما لا يحصى، حتى إن الذي خص بعض مقدمي العدو لحصته، وهو قائد خيل رومة، نحو ألف وخمسمائة جارية أبكارا، ومن أوقار الأمتعة والحلي والكسوة خمسمائة جمل. وقدر من قتل وأسر مائة ألف نفس. وقيل خمسون ألف نفس.

ومن نوادر ما جرى على هذه المدينة لما فسدت القناة، وانقطعت المياه، أن المرأة كانت تقف على السور وتنادي من يقرب منها أن يعطيها جرعة ماء لنفسها، أو لولدها فيقول لها أعطيني ما معك، فتعطيه ما معها من كسوة وحلي وغيره.

قال: وكان السبب في قتلهم أنه خاف ممن يصل لنجدتهم، وشاهد من كثرتهم ما هاله، فشرع في القتل، لعنه الله تعالى، حتى قتل منهم نيفا على ستة آلاف، ثم نادى الملك بتأمين من بقي، وأمر أن يخرجوا، فازدحموا في الباب إلى أن مات منهم خلق عظيم، ونزلوا من الأسوار في الحبال، للخشية من الازدحام في الأبواب، ومبادرة إلى شرب الماء.

وكان قد تحيز في وسط المدينة قدر سبعمائة نفس من الوجوه، وحاروا في نفوسهم وانتظروا ما ينزل بهم، فلما خلت ممن أسر وقتل، وأخرج من الأبواب والأسوار، وهلك في الزحمة، نودي في تلك البقية بأن يبادر كل منهم إلى داره بأهله وله الأمان وأرهقوا وأزعجوا، فلما حصل كل واحد منهم بمن معه من أهله في منزله، اقتسمهم الإفرنج، لعنهم الله تعالى، بأمر الملك، وأخذ كل واحد منهم دارا بمن فيها من أهلها، نعوذ بالله تعالى.

وكان من أهل المدينة جماعة قد عاذوا برءوس الجبال، وتحصنوا بمواضع منيعة، وكادوا يهلكون من العطش، فأمنهم الملك على نفوسهم وبرزوا في صور الهلكى من العطش، فأطلق سبيلهم، فبينما هم في الطريق، إذ لقيهم خيل الكفر ممن لم يشهد الحادثة فقتلوهم إلا القليل ممن نجا بأجله. قال: وكان الإفرنج، لعنهم الله تعالى، لما استولوا على أهل المدينة (وذكر أمورا هنا أمسكنا عن نقلها لأنها مما تنفطر له الكبود وتقشعر الجلود) وجرى من هذه الأحوال ما لم يشهد المسلمون مثله قط في ما مضى من الزمان، ولما عزم ملك الروم على القفول إلى بلده، تخير من بنات المسلمين الجواري الأبكار والثيبات ذوات الجمال، ومن صبيانهم الحسان ألوفا عدة، حملهم معه ليهديهم إلى من فوقه، وترك من رابطة خيله ببربشطر ألفا وخمسمائة، ومن الرجال ألفين.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢١٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢١٣