تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وأما فاجعة بربشتر التي مع جميع ما حصل بالإسلام من الفجائع لم يوجد أشق منها، فقد ذكرها ابن عذارى في البيان المغرب فقال: إن جيش الأردامانيين (؟) نزلوا عليها، وجدوا في قتالها وحصارها جدا عظيما، فكان أهلها يقاتلونهم خارج مدينتهم، وذلك في سنة ست وخمسين وأربعمائة.

وكان الماء يأتيها في سرب تحت الأرض من النهر حتى يدخل إليها فيخترقها، فخرج رجل من القصبة إلى الروم ودلهم عليه، فساروا إليه وهدموه وحالوا بينه وبين الاتصال بفم السرب، فعدم أهلها الماء، ولم يكن لهم صبر على العطش، فراسلوا الروم في أن يسلموهم في أنفسهم وذراريهم ويسلموا إليهم البلد، فأبى الروم من ذلك فجالدهم المسلمون إلى أن دخل الروم عليهم عنوة، فقتلوا المقاتلة، وسبوا الحريم والذرية وحصلوا منها على أموال جليلة، فكان أشد الرزايا بهذه الجزيرة، وحصل بأيدي الروم من نساء أهل بربشتر وذريتهم قرب المائة ألف، حصل من ذلك في سهم رئيسهم اللعين أربعة آلاف نسمة، اختارهن أبكارا من الثمانية أعوام إلى العشرة فأهدى منهن لملكه ما شاء. وكان هذا اللعين يسمى بالبطيبين؟ وذكر أنه حصل في سهمه أخزاه الله، من أوقار الأطعمة والحلي والكسوة خمسمائة حمل. وكان الخطب في هذه المدينة أعظم ما يوصف، لأن الحال كان آل بهم إلى أن ألقوا بأيديهم بسبب الظمأ، وخرجوا من المدينة، وانتشروا في بسيط من الأرض. فلما رأى الطاغية، ضاعف الله عذابه، كثرتهم وانتشارهم، خاف أن تدركهم حمية، في استنقاذ أنفسهم فأمر ببذل السيف فيهم، وبعضهم ينظر إلى بعض من رجال ونساء. فقيل إنه قتل منهم يومئذ نحو ستة آلاف، ثم نادى برفع السيف عنهم، وأمر بخروجهم عن المدينة بالأهل والذرية، فبادروا الخروج منها مزدحمين على أبوابها، فمات في ازدحامهم خلق كثير.

ولما عرض جميع من خرج عن المدينة بفناء بابها، بعد قتل من قتل منهم ظلوا قياما ذاهلين منتظرين نزول القضاء بهم، ثم نودي فيهم بأن يرجع كل ذي دار إلى داره بأهله وولده، وأزعجوا لذلك، ولما استقروا بالدور مع عيالهم وذرياتهم اقتسمهم المشركون، فكل من صارت في حصته دار حازها وما فيها من أهل وولد ومال، فحكم كل علج منهم في من سلط عليه من أرباب الدور، بحسب ما يبتليه الله به منه، يأخذ كل ما أظهره له، ويعذبه فيما أخفى عنه. وربما زهقت نفس المسلم دون ذلك فاستراح، وربما أنظره أجله إلى أسوأ من مقامه ذلك، لأن عداة الله كانوا يومئذ يهتكون حريم أسراهم وبناتهم بحضرتهم، إبلاغا في نكايتهم (إلى أن يقول) فبلغ الكفرة يومئذ منهم ما لا تلحقه الصفة، والحول والقوة لله العظيم.

فلما استولى الروم على هذه المدينة المشئومة ترك فيها اللعين ألف فارس، وأربعة آلاف راجل، ورحل منها إلى بلاده. ولم يكن للنصارى قبل هذه الفعلة مثلها في بلاد المسلمين.

فلما رأى ابن هود هذا الأمر نادى بالنفر للجهاد في سائر بلاد المسلمين، فحميت نفوس أهل الإسلام، وجاءه منهم خلق عظيم لا يحصى عدده، ذكر أنه وصل من سائر بلاد الأندلس ستة آلاف من الرماة العقارة، فنازلوا مدينة بربشتر وتأهبوا لقتال من ورد عليهم من الكفار، فلما عاين الكفار قوة المسلمين وكثرة حماتهم ورماتهم أغلقوا أبوابهم، وتركوا حربهم، وعظم عليهم أمرهم، فأمر ابن هود المقتدر بالله بالنقب لسورها، وأمر الرماة أن ينقبوا السور، لئلا يمنع الكفرة النقابة من النقب. فكان الروم لا يخرجون أيديهم من فوق السور، فنقبوا شقة كبيرة، ودعموا السور وأطلقوا النار في الدعائم، فوقعت تلك الشقة واقتحم المسلمون البلد. ولما عاين الروم ذلك خرجوا من ناحية أخرى على باب آخر فاتبعهم المسلمون يقتلونهم كيف شاءوا، ولم ينج منهم إلا اليسير ممن تأخر أجلهم، وسبوا كل ما كان فيها من عيالهم وأبنائهم وقتل من أعداء الله نحو ألف فارس، وخمسة آلاف راجل، ولم يصب من جماعة المسلمين إلا نحو الخمسين، فاستولى المسلمون على المدينة، وغسلوها من رجس الشرك، وجلوها من صدأ الإفك.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢١٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢١٢