تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

واتصل الخبر بالخليفة، وهو بقرية سلا، فجهز جيشا أصحبه السيد أبا يعقوب ولده والشيخ أبا يوسف بن سليمان زعيم وقته، وداهية زمانه، فأجازوا البحر، والتقوا بالسيد أبي سعيد بمالقة، وتتابع الجمع، والتف بهم من المجاهدين والمطوعة، واتصل منهم السير إلى قرية داق من قرى غرناطة. وكان من استمرار الهزيمة على ابن همشك، لذي جزء لنفسه وجيشه من نصارى وغيرهم ما يأتي ذكره عند اسم مردنيش. ثم قال:

ولما فسد بين ابن همشك وابن مردنيش بسبب بنته التي كانت تحت ابن مردنيش فطلقها، وانصرفت إلى أبيها، وأسلمت إليه ابنها، وسئلت عن إمكان صبرها عنه، فقالت: جرو سوء من كلب سوء! فأرسلت كلمتها في نساء الأندلس مثلا - اشتدت بينهما الفتنة، وعظمت المحنة، وهلك بينهما من شاء الله هلاكه، إلى أن كان أقوى الأسباب في تدمير ملكه.

ولما صرف ابن مردنيش عزمه إلى بلاده، وتغلب على كثير منها، خدم ابن همشك الموحدين، واستجار بهم، وقدم على الخليفة عام خمسة وستين وخمسمائة، فأكرم قدومه، وأقره بمواضعه، إلى أوائل عام أحد وسبعين، فطولب بالانصراف إلى العدوة بأهله وأولاده، وسكن بمكناسة، وأقطع بها أملاكا لها خطر.

وابتلاه الله بفالج غريب الأعراض، فكان يدخل الحمام الحار فيشكو حره بأعلى صراخه ، فيخرج فيشكو البرد كذلك، إلى أن مضى لسبيله، انتهى ببعض تصرف.

وممن ينسب إلى سرقسطة عمر بن مصعب بن أبي عزير بن زوارة بن عمرو بن هاشم العبادي، وقيل العبدري، ذكره ابن عميرة في بغية الملتمس، نقلا عن ابن يونس. وأبو الحكم المنذر بن رضا السرقسطي، سكن بلنسية، وكان من الشعراء. ومظفر الكاتب السرقسطي، خرج من سرقسطة، وسكن غرناطة، وكنيته أبو الفرج، أخذ عن قاسم بن محمد الشيباني، وأبي عمر القسطلي، وصحب أبا بكر المصحفي، ذكره ابن الأبار.

ونسب إلى سرقسطة حكماء وعلماء من اليهود، ومن مشاهيرهم ابن الفوال

5

الطبيب الفيلسوف. ومنهم الفضل حمداي

6

المشهور بالحكمة والرياضيات.

وممن سكن في سرقسطة من الأطباء أبو عبد الله بن الكتاني، وهو من أطباء المسلمين، ترجمه ابن أبي أصيبعة فقال: هو أبو عبد الله محمد بن الحسين المعروف بابن الكتاني، كان أخذ الطب عن عمه محمد بن الحسين وطبقته، وخدم به المنصور بن أبي عامر، وابنه المظفر، ثم انتقل في صدر الفتنة إلى مدينة سرقسطة، واستوطنها، وكان بصيرا بالطب، متقدما فيه، ذا حظ من المنطق والنجوم، وكثير من علوم الفلسفة. قال القاضي صاعد: أخبرني عنه الوزير أبو المطرف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الكبير بن وافد اللخمي أنه كان دقيق الذهن، ذكي الخاطر، جيد الفهم، حسن التوحيد والتسبيح، وكان ذا ثروة وغنى واسع، وتوفي قريبا من سنة عشرين وأربعمائة، وهو قد قارب ثمانين سنة. قال: وقرأت في بعض تآليفه أنه أخذ صناعة المنطق عن محمد بن عبدون الجبلي، وعمر بن يونس بن أحمد الحراني، وأحمد بن جفصون الفيلسوف، وأبي عبد الله محمد بن إبراهيم القاضي النحوي، وأبي عبد الله محمد بن مسعود البجائي، ومحمد بن ميمون المعروف بمركوس، وأبي القاسم فيد بن نجم، وسعيد بن فتحون السرقسطي، المعروف بالحمار، وأبي الحارث الأسقف، تلميذ الربيع بن زيد الأسقف الفيلسوف، وأبي مرين البجائي، ومسلمة بن أحمد المرجيطي.

وقد ترجم ابن أبي أصيبعة عالما من علماء الأندلس، وطبيبا من أطبائها، اسمه ابن بكلارش، كان يهوديا ، قال إنه خدم بصناعة الطب بني هود، وله من الكتب كتاب «المجدولة في الأدوية المفردة» وضعه مجدولا، وألفه بمدينة المرية للمستعين بالله أبي جعفر أحمد بن المؤتمن بالله بن هود.

ولا شك في أنه ليس من ذكرناهم هم جميع الذين نبغوا من أهل سرقسطة في العلم والأدب، بل مهما استقصى الإنسان فلا بد من أن يفوته تراجم كثيرة، إما سهوا منه أو من المؤلفين الذين أخذ عنهم، وهذا هو الشأن في كل مدينة حاولنا أن نذكر من خرج منها من العلماء والأدباء.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ٢٠٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ٢٠٥