ثم غلي مرجل الفتنة وكثر الثوار بالأندلس، فاتصل بالأمير ابن عياض بالشرق وغيره، إلى أن تمكن له الامتياز بحصن شقوبش، ثم تغلب على مدينة شقورة
4
وتملكها، وهي ما هي من النمة، فغلظ أمره، وساوى محمد بن مردنيش أمير الشرق، وداخله حتى عقد معه صهرا على ابنته، فاتصلت له الرئاسة والإمارة، وكان سيفا لصهره المذكور مسلطا على من عصاه، فقاد الجيوش، وافتتح البلاد، إلى أن فسد بينهما، فتفاتنا وتقامعا، وانحاز بما لديه من البلاد والمعاقل، وعد من ثوار الأندلس أولي الشوكة الحادة، والشبا المرهوب، بعد انقباض دولته. قال محمد بن أيوب بن غالب، المدعو بابن حمامة: أبو إسحاق الرئيس شجاع بهمة من البهم، كان جريئا شديد الحزم، سديد الرأي، عارفا بتدبير الحروب، حمي الأنف عظيم السطوة، مشهورا بالإقدام، مرتكبا للعظيمة. قال بعض من عرف به من المؤرخين: إنه وإن كان قائد فرسان، فقد كان حليف فتنة وعدوان، ولم يصحب قط متشرعا، ولا نشأ في أصحابه من كان متورعا، سلطه الله على الخلق وأملى له، فأضر بمن جاوره من أهل البلاد. وقال لسان الدين: كان جبارا قاسيا، فظا غليظا، شديد النكال، عظيم الجرأة والعبث بالناس، بلغ من عبثه فيهم إحراقهم بالنار، وقذفهم من الشواهق والأبراج، وإخراج الأعصاب والرباطات عن ظهورهم، عن أوتار القسى، وضم أغصان الشجر العادي بعضها إلى بعض، وربط الإنسان بينها، ثم تسريحها فيذهب كل غصن بحظه من الأعضاء. قال: ورآه بعض الصالحين في النوم وسأله: ما فعل الله بك فأنشده:
من سره العيث في الدنيا بخلقة من
يصور الخلق في الأرحام كيف يشا
فليصبر اليوم صبري تحت بطشته
مغللا أمتطي جم الغضا فرشا
ثم ذكر لسان الدين شجاعته فقال: زعموا أنه خرج متصيدا، وفي صحبته محاولون له، وقارعوا أوتار الغناء في مائة من الفرسان، فما راعهم إلا خيل العدو هاجمة على غرة، في مائتين من الفوارس، فقالوا: العدو في مائتي فارس! فقال: وإذا كنتم لمائة وأنا لمائة فنحن قدرهم. فعد نفسه بمائة، ثم استدعى قدحا من شرابه وصرف وجهه إلى المغني وقال: غن لي تلك الأبيات، وكان يغنيه بها فتعجبه:
يتلقى الندى بوجه حياء
وصدور القنا بوجه وقاح
هكذا هكذا تكون المعالي
طرق الجد غير طرق المزاح
فغناه بها، واستقبل العدو وحمل عليه بنفسه وبأصحابه حملة رجل واحد، فاستولت على العدو الهزيمة، وأتى على معظمهم القتل، ورجع غانما إلى بلده، ثم انصرفت الأيام، وعاد للصيد في موضعه، وأطلق بازه على حجلة فأخذها، وذهب ليذبحها، فلم يحضره خنجر، فبينما هو يلتمسه إذ رأى نصلا من نصال المعترك، من بقايا الهزيمة فأخذه وذبح الطائر، واستدعى الشراب وأمر المغني فغناه بيتي أبي الطيب:
تذكرت ما بين العذيب وبارق
مجر عوالينا ومجرى السوابق
وصحبة قوم يذبحون قنيصهم
بفضلة ما قد كسروا في المفارق
وقد رأيت من يروي هذه الحكاية عن أحد أمراء بني مردنيش، وعلى كل حال فهي من مستظرف الأخبار.
قال لسان الدين: وفي سنة ست وخمسين وخمسمائة، في جمادى الأولى منها، قصد إبراهيم بن همشك بجمعه مدينة غرناطة، وداخل طائفة من ناسها، وقد تشاغل الموحدون بما دهمهم من اختلاف الكلمة عليهم، وتوجه الوالي بغرناطة السيد أبو سعيد إلى العدوة، فاقتحم ابن همشك غرناطة ليلا، واعتصم الموحدون بقصبتها فنصب لهم المجانيق، وقتلهم بأنواع من القتل، وعندما اتصل الخبر بالسيد أبي سعيد بادر إليها، فأجاز البحر، والتف به السيد أبو محمد، والسيد أبو حفص، بجميع جيوش الموحدين، ووصل الجميع إلى ظاهر غرناطة، وأصحر إليهم ابن همشك، وبرز منها، والتقى الفريقان بمرج الرقاد من خارجها، ودارت بينهم الحرب، فانهزم جيش الموحدين، واعترضت الفل تخوم الفدادين، وجداول الماء التي تتخلل المرج، فاستولى عليهم القتل، وقتل في الوقيعة السيد أبو محمد، ولحق السيد أبو سعيد بمالقة، وعاد ابن همشك إلى غرناطة، فدخلها بجملة من أسرى القوم أفحش فيهم المثلة، بمرأى من إخوانهم المحصورين.