تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

شكل 45-5: صورة بنبلونة.

شكل 45-6: صورة بنبلونة (منظر عمومي).

وجاء في كتاب «أخبار مجموعة» أقدم كتاب في تاريخ الأندلس - كتب فيما يظهر لعهد المستنصر بن الناصر الأموي - كلام عن مدينة سرقسطة وما جرى بها من الحوادث، لأول الفتح الأموي، قال: ثار سليمان الأعرابي بسرقسطة، وثار معه حسين بن يحيى الأنصاري، من ولد سعد بن عبادة، فبعث إليه الأمير (عبد الرحمن الداخل) ثعلبة بن عبد، في جيش، فنازل أهل المدينة وقاتلهم أياما. ثم إن الأعرابي طلب الفرصة من العسكر، فلما وضع الناس عن أنفسهم الحرب، وقالوا قد أمسك عن الحرب، وأغلق أبواب المدينة، لم يشعر الناس حتى هجم على ثعلبة فأخذه في المظلة، فصار عنده أسيرا، وانهزم الجيش، فبعث به الأعرابي إلى قارلة

9

فلما صار عنده، طمع قارلة في مدينة سرقسطة من أجل ذلك، فخرج حتى حل بها، فقاتله أهلها ودافعوه أشد الدفع، فرجع إلى بلده. وخرج الأمير غازيا إلى سرقسطة، فقبل أن يبلغ الأمير سرقسطة عدا حسين بن يحيى الأنصاري على الأعرابي يوم جمعة، فقتله في المسجد الجامع، وصار الأمر لحسين وحده فنزل به الأمير، وكان عيسون بن سليمان الأعرابي قد هرب إلى أربونة. فلما بلغه نزول الأمير بسرقسطة أقبل فنزل خلف النهر، فنظر يوما إلى قاتل أبيه قد خرج عن المدينة، وصار على جرف الوادي، فأقحم عيسون فرسا له كان يسميه الناهد، وقتله، ثم رجع إلى أصحابه، فسمى ذلك الموضع إلى اليوم مخاضة عيسون، ثم استدعاه الأمير حتى صار في عسكره، وحارب سرقسطة معه، فلما ضاق أهل المدينة من الحصار طلب حسين الصلح، وأعطى ابنه رهينة، فقبل ذلك الأمير منه، ورجع عنه. وكان اسم ابنه ذلك سعيدا، وكان نجدا، فلم يقم في عسكر الأمير إلا يوما، حتى أعمل الحيلة فهرب إلى أطيان له بأرض بليارش، ومضى الأمير فدوخ بنبلونة، وقلنيرة، وكر على البشكنس، ثم على بلاد الشرطانيس، فحل بابن بلاسكوط، فأخذ ولده رهينة، وصالحه على الجزية. (إلى أن يقول): إن حسين بن يحيى الأنصاري متولي سرقسطة، عاد إلى نفاقه، قال: فخرج إليه الأمير غازيا، ونصب على سرقسطة المجانيق، فيقال إنه حفها بستة وثلاثين منجنيقا، وضيق على أهلها أشد الضيق. فترامى القوم إليه، وأسلموا إليه حسينا، فلم يقتل من أهل المدينة غيره، وغير رجل من أهلها يقال له رزق من البرانس. انتهى

شكل 45-7: ملاقاة سليمان الأعرابي مع شارلمان.

شكل 45-8: صورة نهر أرقا في بنبلونة.

وقد اشتهرت سرقسطة من قديم الدهر بشدة المقاومة لمن يحاصرها، فقبل الفتح العربي كان قد غزاها سنة 533 شيلد برت

Childeberte ، ملك الإفرنج، وكذلك كلوتار الثاني

Clotaire ، وقاومتهما مقاومة خارقة للعادة. ولما جاءها شارلمان بنفسه عجز عنها، وكثيرا ما زحف إليها بنو أمية بجيوشهم فلم ينالوا منها وطرا. ولما استرجعها أذفنش الأول ملك أراغون من أيدي العرب، واستمرت الحرب عليها خمس سنوات، وما دخل الإسبانيول سرقسطة إلا بعد حصار شديد اتصل تسعة أشهر.

ومن أشد مدافعاتها المشهورة الدفاع الذي دافعت به الفرنسيس سنة 1808 و1809، وذلك في حرب الاستقلال، فقد زحف إليها الفرنسيس بجيش جرار ، يقوده أربعة قواد، كل منهم برتبة مارشال، وكان الذين تولوا كبر المقاومة: شابا من أهلها اسمه بلافوكس

Plafox

وقسيسا اسمه سنت ياغوساس وجلا كان يقال له العم واسمه جورج إيبور

Ibort ، وانضم إليهم اثنان من الفلاحين، أحدهما ماريانو سيريزو

Cerezo ، والآخر مارين، فهؤلاء أثاروا حمية الأهالي، ووقفت البلدة كلها وقفة الرجل الواحد في وجه الفرنسيس، وبعد حصار شهرين اضطر المارشال لففر

Lefepvre

أن يرفع الحصار. ثم عاد إليها الفرنسيس بجيش عدده ثلاثون ألفا، وكان السرقسطيون قد زادوا تأهبهم للدفاع، ولكن لم يكن سور بلدتهم يعلو أكثر من ثلاثة إلى أربعة أمتار، فترك السرقسطيون الدفاع عن دير يسوع، على ضفة أبره من اليمين، وتركوا أيضا الدفاع عن دير «طوريروه» وجمعوا أنفسهم إلى داخل المدينة، وبدأ القتال بشدة لم يسبق لها مثيل، فوضع الفرنسيس خمسين مدفعا تقذف بالنار الدائمة، إلى أن خرقوا السور من ثلاث جهات. وفي 22 يناير سنة 1809 دخل المارشال «لان» إلى البلدة من جهة دير سنتا الغراسيه. ولكن الأهالي استمروا يقاومون عن بيت بيت، ويقاتلون في شارع شارع، فقتل وجرع من الفريقين أربعة وخمسون ألف نسمة في مدة ستين يوما. ولم تعول البلدة على الاستسلام إلا بعد أن فتكت بأهلها المجاعة والأمراض. وقد لقبت سرقسطة من أجل ذلك الدفاع بالخالدة

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ١٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ١٩٢