تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وولي بعده ابنه عبد الله بن هذيل بن خلف بن لب بن رزين، بويع له يوم موت أبيه سنة ست وثلاثين وأربعمائة، وكان في أيام أبيه يسمى حسام الدولة، وكان بالعكس من أبيه. قال ابن حيان: وكان سيئة الدهر، وعار العصر، جاهلا لا متجاهلا، وخاملا لا متخاملا، قليل النباهة، شديد الإعجاب بنفسه، بعيد الذهبة بأمره، زاريا على أهل عصره، إن ذكرت الخيل فزيدها، أو الدهاة فسعدها وسميدها، أو الشمراء فجرولها وأسيدها، أو الأمراء فزيادها ويزيدها، أو الكتاب فبديع همذان، أو الخطابة فقس وسحبان، أو النقد فقدامة، والعلم ليس منه ولا كرامة، خلي من المعارف، وشعره أهتف من كال هاتف، ومنه قوله الذي هو جسم بلا روح، وليل بلا صبوح:

أدرها مداما كالغزالة مزة

تلين لرائيها وتأبى عن اللمس

وتبدو إلى الأبصار دون تجسم

على أنها أشفى على الذهن والحس

وقوله أيضا:

يا رب ليل أطال الهجر مدته

فأيأس العمر من إدراك منتصفه

ليل تطاول حتى ما تبين لي

عند التأمل أن الدهر من صدفه

وقوله:

أنا ملك تجمعت في خمس

هي للأنام محيي ومميت

هي ذهب وحكمة ومضاء

وكلام في وقته وسكوت

إلى غير هذا من سخفه. انتهى كلام ابن حيان. ومن لعمري لا يوافقه عليه؟

وذكره الفتح بن خاقان في كتابه «قلائد العقبان» فأثنى عليه بما ليس فيه من المحاسن، ووصفه بصفات ليس هو بأهل لها، ثم قال بعدها: إلا أنه كان يتشطط على ندامة، ولا يرتبط في مجلس مدامة، فربما عاد إنعامه بؤسا، وانقلب ابتسامه عبوسا، فلم تتم معه سلوة، ولا فقدت في ميدانه كبوة، وقليلا ما كان يقبل، ولا يناجي المذنب عنده إلا الحسام الصقيل.

ففهم من هذا الوصف هوره وحماقته، وسرعته إلى القتل، ولم يزل على ذلك من أفعاله إلى أن مات بحصن السهلة، غدوة الاثنين التاسع من شعبان سنة ست وتسعين وأربعمائة، فكانت دولته ستين سنة. انتهى.

قلنا: فما كان أصبر رعيته على نار هذه المحنة، التي استمرت ستين سنة! ثم جاء في هذا الذيل ذكر ولده يحيى بن عبد الملك بن هذيل بن خلف بن لب بن رزين، بويع له يوم موت أبيه، بعهده ووصيته، وسلك في التخلف مسلك أبيه، مدمنا للخمر، مكثرا من الغثيان، ضعيف العقل، وممن ضعف عقله أن الفنش (يعني به الأذفونش السادس) لما أخذ الثغور وتملكها، أهدى إليه كل ملك من ملوك الطوائف الهدايا الجليلة، فلم يلتفت إلى أحد منهم، ولا كافأه على هديته. فأهدى إليه حسام الدولة يحيى هذا هدية جليلة، من الحلي والحلل، والخيل والبغال، وتحف الملوك، يعجز عنها الوصف، فأعجب الفنش هديته، فكافأه عليها بقرد. فكان من ضعف عقله يفخر بذلك القرد على ملوك الأندلس. فانظر إلى هذا السخف وهذا الخذلان! ولم يزل على سخفه وخذلانه إلى أن خلعه المرابطون بيوم الاثنين الثامن من رجب سنة سبع وتسعين وأربعمائة، فكانت دولته سنة واحدة. وانقرضت دولتهم. ا.ه.

ولما كانت شنتمرية ابن رزين معمورة بالعرب، خرج منها عدد من أهل العلم لأنهم أينما حلوا كانوا يقيمون سوق المعارف على ساقها.

| هوامش

الفصل الثامن والعشرون

| من نبغ من أهل العلم في شنتمرية ابن رزين

أبو عيسى لب بن عبد الجبار بن عبد الرحمن يعرف بابن ورهزن، سمع من أبيه ومن القاضي أبي بكر بن العربي، لقيه بكولية من الثغور الشرقية حتى غزاها مع الأمير أبي بكر بن علي بن يوسف بن تاشفين في جمادى الآخرة سنة 522، وسمع أيضا من أبي مروان بن غردي، وولى الأحكام بشاطبة، ثم ولي قضاء بلدة شنتمرية بآخرة من عمره مضافة إلى البونت من أعمال بلنسية. وتوفي سنة 538 وقد نيف على الستين. ترجمة ابن الأبار في التكملة. وأبو عيسى لب بن عبد الملك بن أحمد بن محمد بن نذير الفهري من أهل شنتمرية الشرق، سكن بلنسية، روى عن أبيه أبي مروان، وتولى قضاء بلدة وراثة عن أبيه، ثم سعى إلى السلطان فغربه عن وطنه وأسكنه حضرته بلنسية إلى أن توفي بها بعد سنة 540، حدث عنه ابنه أبو العطاء وهب بن لب. وأبو عبد الله محمد بن مسعود بن خلف بن عثمان العبدري من شنتمرية الشرق، سكن مرسية ورحل حاجا، وسمع من أبي علي الصدفي. وأبو مروان عبد الملك بن أحمد بن محمد بن نذير بن وهب بن نذير الفهري، سمع ببلدة شنتمرية الشرق من أبيه، وبمدينة سالم من أبي الحسن علي بن الحسن صاحب الصلاة فيها، وتولى القضاء ببلده، وتوفي بعد التسعين والأربعمائة. وأبو الوكيل عبد الجبار بن عبد الرحمن بن ورهون من أهل شنتمرية الشرق وقاضيها، روى عن أبي مروان بن نذير في شنتمرية سنة 489. وأبو مروان عبد الملك بن عبد العزيز بن قيروه بن وهب بن غردي من أهل مرسية، أصله من شنتمرية الشرق، له رحلة إلى المشرق، ذكر ابن بشكوال أنه توفي سنة 425. وأبو مروان عبد الملك بن مسرة بن فرج بن خلف بن عزير اليحصبي من أهل قرطبة، أصله من شنتمرية الشرق، ومن مفاخرها وأعلامها، اختص بالقاضي أبي الوليد بن رشد وجمع بين الحديث والفقه، وكان على منهاج السلف الصالح، وتوفي سنة 552.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ١٨٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ١٨٢