تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Numance .

وهي بلدة أيبيرية قديمة، عندما زحف الرومان إلى أسبانية، كانت من أشدها مقاومة. فحاصرها هؤلاء مدة سنوات إلى أن فتحوها عنوة سنة 133 قبل المسيح وجعلوها دكا. وبقيت خاوية على عروشها. وفي سنة 1905، إلى 1912، قام الأستاذ المسمى «شولتن»

Sculthen

بأعمال حفر مهمة للكشف عن بقايا هذه المدينة الأيبيرية، التي دمرها سيبون الروماني، فكشف منها جانبا. وانكشفت له أيضا مستعمرة رومانية، وأماكن المعسكرات التي كانت لسيبون عندما أحاط بالبلدة، ثم كشف الإسبانيول بعد شولتن مساكن أيبيرية قديمة.

ومن شورية يذهبون بالعربات إلى «كستيجون»

Cesijon

و«كالهرة»

Celaharo

و«خرسونه».

| هوامش

الفصل العشرون

| مدينة سالم

ثم مدينة سالم، والإسبانيول يقولون لها مدينة «سالي» ويلفظونها بالثاء لا بالسين، وهي في موضع رفيع منيع، وقد كان للعرب فيها قلعة شهيرة، جعلوها من أهم الثغور في وجه الإسبانيول والبلدة المعروفة من قبل العرب ولا تزال فيها آثار رومانية من القرن الأول بعد المسيح إلا أن العرب حصنوها واعتنوا بها وكانت مركزا عسكريا عظيما. وكان يقال لمدينة سالم «الثغر الأوسط»، فقد كانوا يقسمون الثغور إلى كور منها: الثغر الأعلى، ويقال له أيضا الثغر الأقصى، وهذا الثغر هو سرقسطة وكورتها، ثم الثغر الأوسط ويقال له أحيانا الأدنى، وهو مدينة سالم وكورتها وطليطلة، وكان يوجد ثغر ثالث، وهو ثغر «قويمرة» وربما أضيف إلى الثغر الأوسط بعض الأحيان.

وكان ولاة هذه الثغور قوادا، وكان أكثرهم من أبناء البيوتات، سواء من العرب، أو من البربر، أو من المولدين، وذلك مثل التجبييين، وبني هود، وبني رزين، وبني ذي النون، وبني قسي، وهؤلاء أسبانيون دانوا بالإسلام، وكان من أشهر قواد الثغور في زمن بني أمية غالب بن عبد الرحمن، فهو الذي في سنة 335 هجرية رمم حصون مدينة سالم، بعد أن خربت، وهو الذي في سنة 342 زحف على قشتالة، وأوقع بأهلها، وبقي في قيادة الثغر الأوسط إلى زمن الحكم المستنصر، فانتدبه لإمارة الجيوش في أفريقية، عندما عزم على محاربة الأدارسة. وفي إحدى غزواته بين العدوة استصحب معه القاضي محمد بن أبي عامر، فاتصل به، وانعقدت بينهما مودة أكيدة، انتهت بأن غالبا أزوج محمد بن أبي عامر ابنته، وبواسطة هذه المصاهرة ترقى ابن أبي عامر. وحاز رتبة ذي الوزارتين، ومازال يترقى في الدولة حتى صار هو الحاجب الكبير، وحتى غلب على الدولة كلها، وحجر الخليفة هشام، ولم يبق له إلا اسم الخلافة، وأخيرا وقعت الوحشة بين القائد الكبير غالب بن عبد الرحمن وصهره محمد بن أبي عامر، الذي تلقب بالمنصور، وذلك بعد أن استفحل أمره، ورأى فيه غالب خطرا على الدولة، فأدى ذلك إلى الحرب بينهما، وجرح غالب بن عبد الرحمن في الواقعة ومات، وفقدت الدولة الأموية بموته ركنا من أعظم أركانها.

وفي مدينة سالم هذه دفن المنصور بن أبي عامر، كما هو معروف في التاريخ، وكان قد توفي في الغزوة الأخيرة

1

فاحتملوه إلى مدينة سالم، ودفن فيها. قال ابن خلدون: هلك المنصور أعظم ما كان ملكا، وأشد استيلاء، سنة أربع وتسعين وثلاثمائة بمدينة سالم، منصرفه من بعض غزواته، ودفن هناك. وذلك لسبع وعشرين سنة من ملكه. ا.ه. وزاد المقري على ذلك في النفح الطيب: مما حكى أنه مكتوب على قبر المنصور رحمه الله تعالى:

آثاره تنبيك عن أخباره

حتى كأنك بالعيان تراه

تالله لا يأتي الزمان بمثله

أبدا ولا يحمي الثغور سواه

قال: وعن شجاع مولى المستعين بن هود: لما توجهت إلى أذفونش، وجدته في مدينة سالم، وقد نصب على قبر المنصور بن أبي عامر سريره، وامرأته متكئة إلى جانبه، فقال لي: يا شجاع أما تراني قد ملكت بلاد المسلمين، وجلست على قبر ملكهم؟ قال: فحملتني الغيرة أن قلت له: لو تنفس صاحب هذا القبر وأنت عليه، ما سمع منك ما يكره سماعه، ولا استقر بك قرار! فهم بي، فحالت امرأته بيني وبينه وقالت له: قد صدقك فيما قال، أيفخر مثلك بمثل هذا؟ وقال في موضع آخر: وتوفي رحمه الله في غزاته للإفرنج بصفر سنة اثنتين وتسعين وثلاثمائة، وحمل في سريره على دولته ستا وعشرين سنة، غزا فيها اثنتين وخمسين غزوة. قال انتهى كلام ابن سعيد وفي بعضه مخالفة لبعض كلام ابن خلدون. ثم نعود إلى الكلام على مدينة سالم فنقول: إن ياقوت الحموي يذكرها في المعجم تحت اسم «سالم» ويقول: مدينة الأندلس، تتصل بأعمال باورشة،

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ١٧٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ١٧٥