ولكن لا يستفيد من مياه أبره وفروعه إلا جزء قليل من هذه الصحراء، بحيث إن بعض أهالي الأماكن المأهولة من أطرافها هم في غناء شديد من جهة الماء، فقد صح في أهلها المثل القائل: أيا عطشي والماء يجري. قيل إن عامل بلدة تارديانته
Tardienta
جمع أهالي بلدته ليوزع عليهم الماء الباقي في الصهريج العمومي، فكان نصيب العائلة الواحدة عشرة ليترات من الماء، وهو ماء من كدورته يؤكل ولا يشرب.
فلو كان هناك جداول من أبره لتحولت تلك الصحراء جنانا غناء. والسائح يرى البلاد هناك على طرفي نقيض، فبينما صحراء «فيولاده»
Violada
هي كفيافي بني أسد، إذا ضواحي سرقسطة غير بعيدة عنها، هي كغوطة دمشق. وقد شق الإسبانيول جدولين من أبره عند سرقسطة وتطيلة، وسقوا بهما أراضى واسعة، ولا يزالون يشقون منها جداول إلى يومنا هذا في أراغون وكتلونية. وبالإجمال فلولا إبره لكانت الحياة متعذرة في أكثر مملكة أراغون، وفى قسم كبير من كتلونية.
مملكة نبارة القديمة هي اليوم مقاطعة بهذا الاسم، مساحتها 10500 كيلومتر مربع، وعدد سكانها ثلاثمائة وخمسة عشر ألف نسمة. أما أراغون فهي عبارة عن مقاطعة سرقسطة، ومساحتها 17424 كيلومترا مربعا، وسكانها 448995 نسمة. ومقاطعة وشقة، ومساحتها 15149 كيلومترا مربعا، وأهلها 248257 نسمة. ومقاطعة ترول
Teruel ، ومساحتها 14818 كيلومترا مربعا، وسكانها 255491 نسمة.
وإذا توجه الراكب بالسكة الحديدية من مجريط قاصدا إلى سرقسطة، فإن أهم ما يمر به من البلاد هو القلعة المسماة بقلعة هينارس، على مسافة 34 كيلومترا من مجريط. وهذه البلدة هي رومانية، كانوا يقولون لها «كومبلوتوم» ولما جاء العرب استولوا عليها، وبعد خروجهم من هناك أسس الكردينال شيميناس رئيس أساقفة طليطلة فيها مدرسة جامعة، تضاهي مدرسة طلمنكة، وبقيت فيها إلى سنة 1836 فنقلوها إلى مجريط. وإلى هذه البلدة ينسب الكاتب الشهير سرفنتس
Cervantes
صاحب كتاب الدون كيشوط، وعدد سكان البلدة اليوم اثنا عشر ألف نسمة. وفي هذه البلدة بقايا حصون عربية. وضواحي هذه البلدة ناضرة بهيجة.
الفصل الثامن عشر
| وادي الحجارة1
ثم على مسافة 57 كيلومترا من مجريط تقع وادي الحجارة، وسكانها اليوم بقدر سكان القلعة، وهى مبنية على الضفة اليمنى من نهر هينارس. وفى هذه البلدة تزوج فيليب الثاني بالملكة إيزابلا، من آل فالوا، وفيها مات الكاردينال بادرو مندوزه، وفيها مدفن الكونت طانديلا، أول قائد عسكرى لغرناطة بعد استيلاء الإسبانيول عليها.
شكل 25-1: أحد مناظر وادي الحجارة اليوم.
وقد كانت مدة بقاء العرب في وادي الحجارة 367 سنة. قال ياقوت الحموي في المعجم فرج بالتحريك والجنم، مدينة بالأندلس تعرف بوادي الحجارة، وهى بين الجوف والشرق من قرطبة، ولها مدن بينها وبين طليطلة. وينسب إليها أيوب بن الحسين بن محمد بن أحمد بن عوف بن حميد بن تميم، يكنى أبا سليمان، ويعرف بابن الطويل، رحل إلى المشرق، ثم استقضاه الحكم المستنصر ببلده، وكان أديبا حكيما، قدم قرطبة، وروى عنه ابن الفرضي، وتوفي سنة 383 بوادي الحجارة ذكر ذلك ابن الفرضي. انتهى.
وقال ابن حوقل عن وادي الحجارة: مدينة كبيرة، ثغر مشهور الحال، مسور بحجارة، وهى ذات أسواق، وفنادق، وحمامات، وحاكم، ومحلف، وبها تسكن ولاة الثغور، كأحمد بن يعلى وغالب، وعليها أكثر جهاد جليقية، ومنها إلى شعراء القوارير، وبها منهل تنزله الرفاق مرحلة، ومنها إلى مدينة سالم مرحلة. انتهى.
وجاء في الانسيكلوبيدية الإسلامية: أن وادي الحجارة يقال لها أيضا مدينة الفرج، نسبة إلى عائلة من البربر يقال لهم بنو فرج كما روى اليعقوبي. وكان فتح العرب لهذه البلدة سنة 714، زحف إليها موسى بن نصير وطارق بن زياد معا، وبقيت في أرض العرب إلى سنة 1060، إذ استرجعها منهم الملك فرديناند القشتالي، ولكن عاد العرب ففتحوها مرة ثانية، وبقيت في أيديهم إلى سنة 1081، فافتتحها ألفاريانس دومينية