3
ثم أفضى العسكر بعد ذلك إلى بسائط جليلة من بلاد فرطارس وما يتصل بها، ثم أفضى إلى جبل شامخ شديد الوعورة لا مسلك فيه ولا طريق، لم يهتد الأدلاء إلى سواه، فقدم المنصور الفعلة بالحديد. لتوسعة شعابه، وتسهيل مسالكه، فقطعه العسكر، وعبروا بعده وادي «منية»
4
وانبسط المسلمون بعد ذلك في بسائط عريضة وأرضين، وانتهت مغيرتهم إلى دير فشان،
5
وبسيط بلنبه على البحر المحيط، وفتحوا حصن شنت بيلايه، وغنموه وعبروا بساحته إلى جزيرة من البحر المحيط، لجأ إليها خلق عظيم من أهل تلك النواحي فسبوا من فيها ممن لجأ إليها، وانتهى العسكر إلى جبل مراسية،
6
المتصل من أكثر جهاته بالبحر المحيط، فتخللوا أقطاره، واستخرجوا من كان فيه، وحازوا غنائمه، ثم أجاز المسلمون بعد هذا خليجا في معبرين. أرشد الأدلاء إليهما. ثم إلى نهر آبلة، ثم أفضوا إلى بسائط واسعة العمارة، كثيرة الفائدة، ثم انتهوا إلى موضع من مشاهد ياقب صاحب القبر، تلو مشهد قبره عند النصارى في الفضل، يقصد نساكهم له من أقاصي بلادهم، ومن بلاد القبط والنوبة وغيرهما، فغادره المسلمون قاعا، وكان النزول بعده على مدينة شنت ياقب البائسة، وذلك يوم الأربعاء لليلتين خلتا من شعبان فوجدها المسلمون خالية من أهلها، فحاز المسلمون غنائمها، وهدموا مصانعها وأسوارها وكنيستها وعفوا آثارها، ووكل المنصور بقبر ياقب من يحفظه ويدفع الأذى عنه، وكانت مصانعها بديعة محكمة فغودرت هشيما، كأن لم تغن بالأمس.
شكل 22-2: مدرسة الطب في شنت ياقب.
وانتسفت بعد ذلك سائر البسائط، وانتهت الجيوش إلى مدينة شنت مانكش منقطع هذا الصقع على البحر المحيط، وهى غاية لم يبلغها قبلهم مسلم، ولا وطئها لغير أهلها قدم، فلم يكن بعدها للخيل مجال، ولا وراءها انتقال.
وانكفأ المنصور عن باب شنت ياقب، وقد بلغ غاية لم يبلغها مسلم قبله،
7
فجعل في طريقه القصد على عمل برمند بن أردون، يستقريه عائنا، حتى وقع في عمل القوامس المعاهدين، الذين في عسكره، فأمر بالكف عنها، ومر مجتازا حتى خرج على حصن بيليقية من افتتاحه، فأجاز هنالك القوامس بجملتهم على أقدارهم، وكساهم وكسا رجالهم، وصرفهم إلى بلادهم، وكتب بالفتح من بيليقية، وكان مبلغ ما كساه في غزاته هذه لملوك الروم، ومن حسن غناؤه من المسلمين، ألفين ومائتين وخمسا وثمانين شقة من صنوف الخز الطرازي، وواحدا وعشرين كساء من صوف البحر، وكساءين عنبريين، وأحد عشر سقلاطونا، وخمسة عشر مريشا، وسبعة أنماط ديباج، وثوبي ديباج رومي، وفروى فنك.
ووافى جميع العسكر قرطبة غانما، وعظمت النعمة والمنة على المسلمين، ولم يجد بشنت ياقب إلا شيخا من الرهبان جالسا على القبر، فسأله عن مقامه، فقال: أونس يعقوب فأمر بالكف عنه.ا.ه.
شكل 22-3: الراهب الذي يؤنس يعقوب الحواري عندما وصل المنصور بن أبي عامر إلى شنت ياقب وفر جميع الرهبان.
| هوامش
الفصل السابع عشر
| أراغون ونبارة
هاتان المملكتان هما متجاورتان، يسقي كلا منهما نهر أبره، وهذا النهر له منبعان أحدهما يقال له «هيجار
Higar » يتفجر من جبل يقال له «كورد»
Cardel
عليه الثلج صيفا وشتاء، وتنحدر منه مياه إلى الوادي الجوفي، منحدرة إلى الغرب ومن مياهه ما ينحدر إلى الشرق، وهى مياه هيجار التي تجري مسافة 16 كيلومترا، ثم تلتقي مع مياه أبره، التي تنبع من غربي مكان يقال له «رينوزه»
Reinosa
وهذا الوادي يخرج من بحيرات صغيرة بين تلك الجبال المتفرعة من البرانس، ثم يمد أبره عدة أنهار، حتى يعدل ماؤه، عندما يصل إلى ميرانده، بعشرين ألف متر مكعب في الثانية. وعندما يصل إلى لوكروني، بواحد وثلاثين ألف متر مكعب. فإذا وصل إلى تطيلة صار يصب 45200 متر مكعب في الثانية. وهو يسقي عند تطيلة جانبا من بسيط أراغون الذي لولا أبره لكان أشبه بصحراء أفريقية.