تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Tbeodemir D’lria

فبنيت الكنيسة الحاضرة على القبر، وأما لفظة كومبوستالا، أي حقل النجمة، فقد قالوا فيها إنها جاءت من جهة أن المطران اهتدى إلى القبر بنجمة أضاءت له وقد فند دليل بديكر هذا القول، وذهب إلى أن الاسم سابق لقصة الحواري يعقوب، وكيف كان الأمر فالإسبانيول يعدون القديس يعقوب، دفين شنت ياقب، بزعمهم، حامي أسبانية وشفيعها، وبه كانوا يستغيثون في حروبهم مع المسلمين، وطالما رأوه بزعمهم متقلدا سلاحه، يقاتل في صفوفهم، وأول من بنى على هذا القبر هو الأذفونش الأول، ولكن الكنيسة التي بناها هذا الأذفونش هدمها الغازي الكبير المنصور بن أبي عامر المعافري سنة 997 للمسيح ثم جددوا بناءها، ومازالوا يزيدون في شنت ياقب الأديار والكنائس حتى أصبح فيها 46 بيعة و288 مذبحا و114 جرسا و36 رهبانية، وفى هذا ما يكفى لإثبات قدسيتها التامة عند الإسبانيول، وكونها لهم الحرم الأعظم.

وقد كان الابتداء ببناء الكنيسة العظمى سنة 1078، ومازال الأساقفة يشتغلون ببنائها إلى سنة 1211، ولها رتاج كبير، على جانبه برجان، ارتفاع الواحد منهما سبعون مترا وفى أعلى الحائط تمثال للقديس يعقوب. وداخل الكنيسة له منظر مؤثر بكثرة الأساطين والمماشي والقباب، والمذبح الأعظم واقع على القبر، ويقال إن فيه خمسمائة كيلو جرام من الفضة، وفى محراب يعلو المذبح تمثال ليعقوب الحواري مزين بالفضة والذهب والحجارة الكريمة، وينزلون إلى القبر بدرج أمام المذبح الأكبر، وهناك مرقد يعقوب واثنين من رفاقه، وفى هذه الكنيسة قبور لا تكاد تحصى لأعاظم الإسبانيول وملوكهم مثل فرديناند الثاني، وأذفونش التاسع، ملك ليون، وامرأة أذفونش السادس، وامرأة بطرس الغاشم وغيرهم. وفيها تصاوير وتهاويل وتماثيل لأشهر المصورين والنحاتين. ولا يسع الكاتب أن يصف جميع ما في شنت ياقب من المعاهد الدينية، والآثار الفنية لكثرتها، وتنافس الملوك والأخبار في البذل والإنفاق عليها. أما غزوة المنصور بن أبي عامر لهذه البلدة فقد ذكر المقري في نفح الطيب ما يلي: ومن ذلك غزوة المنصور لمدينة شنت ياقب، قاصية غليسية، وأعظم مشهد للنصارى في بلاد الأندلس، وما يتصل بها من الأرض الكبيرة، وكانت كنيستها عندهم بمنزلة الكعبة عندنا، وللكعبة المثل الأعلى، فيها يحلفون، وإليها يحجون، من أقصى بلاد رومة وما وراءها، ويزعمون أن القبر المزور فيها قبر ياقب الحواري أحد الاثني عشر، وكان أخصهم بعيسى، على نبينا وعليه الصلاة والسلام وهم يسمونه أخاه، للزومه إياه، وياقب بلسانهم: يعقوب، وكان أسقفا يبيت المقدس، فجعل يستقري الأرضين، داعيا لمن فيها حتى انتهى إلى هذه القاصية. ثم عاد إلى أرض الشام فمات بها، وله مائة وعشرون سنة شمسية، فاحتمل أصحابه رمته فدفنوها بهذه الكنيسة، التي كانت أقصى أثره، ولم يطمع أحد من ملوك الإسلام في قصدها. ولا الوصول إليها لصعوبة مداخلها، وخشونة مكانها، وبعد شقتها، فخرج المنصور إليها من قرطبة غازيا بالصائفة، يوم السبت لست بقين من جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وثلاثمائة، وهى غزوته الثامنة والأربعون. ودخل على مدينة «قورية»

1

فلما وصل إلى مدينة غليسية، وإياه عدد عظيم من القوامس

2

المتمسكين بالطاعة في رجالهم، وعلى أتم احتفالهم، فصاروا في عسكر المسلمين، وركبوا في المغاورة سبيلهم.

شكل 22-1: كنيسة شنت ياقب المشهورة.

وكان المنصور تقدم في إنشاء أسطول كبير في الموضع المعروف بقصر أبي دانس من ساحل غرب الأندلس، وجهز برجاله البحريين، وصنوف المترجلين، وحمل الأقوات والأطعمة، والعدة والأسلحة، استظهارا على نفوذ العزيمة، إلى أن خرج لموضع برتقال، على نهر «دويرة» فدخل في النهر إلى المكان الذي عمل المنصور على العبور منه، فعقد هناك من هذا الأسطول جسرا بقرب الحصن الذي هناك، ووجه المنصور ما كان فيه من الميرة إلى الجند، فتوسعوا في التزود منه إلى أرض العدو، ثم نهض منه يريد شنت ياقب، فقطع أرضين متباعدة الأقطار، وقطع بالعبور عدة أنهار كبار، وخلجان يمدها البحر الأخضر

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ١٦٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ١٦٨