وأبو جعفر أحمد بن خميس بن عامر بن منيح من أهل طليطلة، قال القاضي صاعد بن أحمد عنه: أحد المعتنين بعلم الهندسة والنجوم والطب، وله مشاركة في علوم اللسان، وحظ صالح في الشعر، وهو من أقران أبي الوليد هشام بن أحمد ابن هشام، وأبي إسحاق إبراهيم بن لب إدريس التجيبي، المعروف بالقويدس. كان من أهل قلعة أيوب، ثم أخرج عنها، واستوطن طليطلة، وتأدب فيها، وبرع في علوم العدد والهندسة والفرائض، وقعد للتعليم بذلك زمانا طويلا وكان له بصر بعلم هيئة الأفلاك، وحركات النجوم، وعنه أخذت كثيرا من ذلك، وكان له مع ذلك نفوذ في العربية، وقد أدب بها زمانا بطليطلة، وتوفي رحمه الله ليلة الأربعاء، لثلاث بقين من رجب سنة أربع وخمسين وأربعمائة. انتهى.
ثم ذكر القاضي صاعد بعض من عني بالفلسفة من أهل الأندلس فقال: وفي زماننا هذا أفراد من الأحداث منتدبون بعلم الفلسفة، ذوو أفهام صحيحة، وهمم رفيعة قد أحرزوا من أجزائها، فمنهم من سكان طليطلة وجهاتها: أبو الحسن علي بن خلف بن أحمر. وأبو إسحاق إبراهيم بن يحيى النقاش المعروف بوليد الزرقيال. وأبو مروان عبد الله بن خلف الأستجي. وأبو جعفر أحمد بن يوسف بن غالب التهلاكي. وعيسى بن أحمد بن العالم. وإبراهيم بن سعيد السهلي الإسطرلابي. (ثم قال): وأعلمهم بحركات النجوم، وهيئة الأفلاك، أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى النقاش، والمعروف بولد الزرقيال، فإنه أبصر أهل زماننا بأرصاد الكواكب، وهيئة الأفلاك وحساب حركاتها، وأعلمهم بعلم الأزياج، واستنباط الآلات النجومية.ا.ه.
ثم ذكر القاضي صاعد غير هذا من الحكماء وعلماء الفلك والرياضيين، من أهل الأندلس، ممن سنذكرهم عند الوصول إلى ذكر بلدانهم. ثم ذكر علماء الطب فقال ما يلي: وكان بعد هؤلاء إلى هذا جماعة من أشهرهم: أبو عثمان سعيد بن محمد بن البغونش، وكان من أهل طليطلة، رحل إلى قرطبة بطلب العلم، فأخذ عن مسلمة بن أحمد علم العدد والهندسة، وعن محمد بن عبدون الجبلي وسليمان بن جلجل، وابن الشناعة، ونظرائهم، علم الطب. ثم انصرف إلى طليطلة، واتصل بأميرها الظافر إسماعيل بن عبد الرحمن بن إسماعيل بن عامر بن مطرف بن ذي النون، وحظي عنده وكان أحد مديري دولته، ولقيته فيها بعد ذلك، في صدر دولة المأمون ذي المجد يحيى بن الظافر بن إسماعيل بن ذي النون، وقد ترك قراءة العلم، وأقبل على قراءة القرآن. ولزوم داره، والانقباض عن الناس، فلقيت منه رجلا عالما، جميل الذكر والمذهب، حسن السيرة، نظيف الثياب، ذا كتب جليلة، في أنواع الفلسفة وضروب الحكمة. وتبينت منه أنه قد قرأ الهندسة وفهمها، والمنطق وضبط كثيرا منه. ثم أعرض عن ذلك، وتشاغل بكتب جالينوس وجمعها، وتناولها بتصحيحه ومعاناته، فحصل له بتلك العناية فهم كثير منها. ولم يكن له دربة في علاج المرضى، ولا طبيعة نافذة في فهم الأمراض. وتوفي عند صلاة الصبح يوم الثلاثاء أول رجب سنة أربع وأربعين وأربعمائة، وعمره خمس وسبعون سنة. ا.ه.
ثم ترجم القاضي صاعد الوزير أبا المعارف عبد الرحمن بن محمد بن عبد الكبير بن يحيى بن وافد بن مهند اللخمي، قال عنه: أحد أشراف أهل الأندلس وذوي السلف الصالح منهم، والسالفة القديمة فيهم، عني عناية بالغة بقراءة كتب جالينوس وتفهمها، ومطالعة كتب أرسطاطاليس، وغيره من الفلاسفة، وتمهر في علوم الأدوية المفردة، حتى ضبط منها ما لم يضبط أحد في عصره. وألف فيها كتابا جليلا لا نظير له جمع فيه ما تضمنه كتاب ديوسفوريدوس، وكتاب جالينوس المؤلفين في الأدوية المفردة، ورتبه أحسن ترتيب. وهو مشتمل على قريب من خمسمائة ورقة، وأخبرني عنه أنه عانى جمعه، وحاول ترتيبه، وتصحيح ما ضمنه من أسماء الأدوية وصفاتها، وأودعه إياه من تفصيل قواها، وتحديد درجاتها، من عشرين سنة، حتى كمل موافقا لغرضه، مطابقا لبغيته. وله في الطب منزع لطيف، ومذهب نبيل. وذلك أنه لا يرى التداوي بالأدوية، ما أمكن التداوي بالأغذية، أو ما كان قريبا منها، فإذا دعت الضرورة إلى الأدوية فلا يرى التداوي بمركبها، ما وصل إلى التداوي بمفردها. فإن اضطر إلى المركب لم يكثر التركيب. بل اقتصر على أقل ما يمكن منه. وله نوادر محفوظة، وغرائب مشهورة، في الإبراء من العلل الصعبة، والأمراض المخوفة، بأيسر العلاج وأقربه، وهو في وقتنا هذا حي مستوطن مدينة طليطلة وأخبرني أنه ولد في سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة. ا.ه.