تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قلنا: هذه أخبار أشبه بالأساطير، وحكايات العجائز منها بالتواريخ ، وقد كان مؤرخونا رحمهم الله في غنى عن نقل كل ما تلوكه ألسن العوام الذين يتكلمون بقدر عقولهم، وكلما بعد الزمان أو المكان ازدادت المبالغة في الخبر. ورحم الله ابن خلدون الذي عاب على المؤرخين تسوقهم من الأخبار كيفما اتفقت، بدون تمحيص ولا تفكير وبدون عرض الأشياء على أصولها، ولا قياسها بأشباهها، وأطال في هذا الموضوع. وكان حجة للعرب في أمر التحقيق.

والحقيقة التي لا مفر منها أن من عادة مؤرخي العرب، إلا من رحم ربك، نقل الغث والسمين بدون أن يأذنوا لأنفسهم في الاعتراض على ما يكونون هم أنفسهم مرتابين في صحته، وذلك تورعا عن تكذيب من قبلهم، وبحجة أن هذه المرويات قد تكون صحيحة، وأن هذا العالم هو عالم الإمكان، فليس ثمة شيء مستحيل، وأن قدرة الله تعالى لا يعجزها شيء، وما أشبه ذلك من التعليلات.

والجواب: نعم إن قدرة الله تعالى لا يعجزها شيء، وأن هذه الروايات وأغرب منها بكثير غير خارج عن حيز الإمكان، ولكن هذا شيء والذي نحن فيه شيء آخر، فعدم خروج الغرائب عن حيز الإمكان لا يوجب أن يكون كل ما يروى منها صحيحا، إذا لم توجد له أسانيد لا يتطرق إليها شك، وحجج لا يمكن فيها النزاع. والحال أنه في ما يروى عن هذه المائدة التي قيل أن العرب وجدوها في طليطلة، لا توجد إثبات تحمل على الجزم بصحتها، وقد يكون طارق وجد في عاصمة القوط هذه بعض ذخائر ونفائس، مما لا تخلو منه عواصم الملوك، وربما وجد مائدة مرصعة بالدرر واليواقيت، وهذا عند الملوك شيء معتاد، وقد قيل: عن الملوك ولا تسل، ولكن العوام جعلوا الواحد مئة، وواصلوا المسألة إلى الحد الذي يتخيل فيه الإنسان قصص ألف ليلة وليلة.

وأما الإفرنج فقد تكلموا عن هذه الروايات فحملوها على الخيالات، وعدوها من المحالات، وهذا أيضا مردود لأن عاصمة كعاصمة أسبانية يجوز أن يجد فيها الفاتح من ذخائر ملك القوط حجارة كريمة، وتيجانا مرصعة، ومائدة من الذهب والفضة ويجوز أيضا أن يطأ إيوانا واسعا مموهة أطرافه بالذهب، وإن كانت الفرسان لا تلعب فيه بأرماحها.

وأما طول قنطرة طليطلة وعرضها، وأن الطول ثلاثمائة باع، وأن العرض ثمانون باعا، فهو من المبالغات التي تتناقلها العوام بدون روية، ولعلها من خطأ النساخ الذين نقلوا نفح الطيب.

أما ابن حوقل في المسالك والممالك فيقول عن طليطلة: وهي مدينة كبيرة جليلة مشهورة ذات سور منيع، وهي على وادي تاجه، وعليه قنطرة عظيمة، ويقال أن طولها خمسون باعا، الخ، فظهر من هنا اختلاف الراوية من ثلاثمائة إلى خمسين، على أن المقري في النفح يروي أن هذه القنطرة قد خربت أيام الأمير محمد الأموي، لما عصاه أهل طليطلة، وقال فيها الحكيم عباس بن فرناس أول من اخترع آلة للطيران:

ما كان يبقي الله قنطرة

نصبت لحمل كتائب الكفر

والأمير محمد قد توفي سنة 273، وابن حوقل كتب كتابه هذا في الثلث الأول من القرن الرابع للهجرة، أي بعد وفاة الأمير محمد الأموي بستين أو سبعين سنة، فتكون القنطرة الشهيرة الموصوفة قد خربت، وقام مقامها القنطرة الحديثة، التي يقول ابن حوقل أن طولها خمسون باعا فهل بين القنطرتين كل هذا الفرق؟ وعلى كل حال لا نجد القنطرة الحاضرة على تلك العظمة التي حدثوا عنها، فهي قنطرة كبيرة بجانبها أخرى صغيرة أصلها من بناء العرب، ثم تشعثت في زمن الأذفونش الملقب بالحكيم فأصلحها. ثم جددها تينوريوه رئيس الأساقفة.

وجاء في مروج الذهب للمسعودي عن طليطلة قوله: قصبة الأندلس يشقها نهر عظيم يدعى تاجه: يخرج من بلاد الجلالقة والوسقيد (Basque)

وهي أمة عظيمة لهم ملوك وهم حرب لأهل الأندلس كالجلالقة والإفرنجة، ويصب هذا النهر في البحر الرومي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ١٤٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ١٤٢