وحصل لأخذ طليطلة وقع عظيم في النصرانية وعند المسلمين أيضا. وكانت هذه الواقعة سبب غارة المرابطين في السنة التالية. إلا أنه مع ظفر يوسف بن تاشفين، والأيام التي أدالها الله للموحدين بعد المرابطين في جزيرة الأندلس، لم يتمكن المسلمون من استرجاع طليطلة، ولبثوا يحاصرونها حينا بعد حين، فقد حصروها مرة في زمن الأذفونش السادس نفسه، ومرة أخرى في زمن سلطان الموحدين أبي يوسف يعقوب المنصور، وذلك سنة 592، وفق 1195، وكان المنصور يعقوب استرجع في هذه الغزاة قلعة رباح، ووادي الحجارة، ومجريط، على أثر واقعة الأرك،
228
التي كانت للمسلمين على النصارى،
229
إلا انه بعد واقعة نافاس طولوزه (المسماة عند العرب بالعقاب) في 16 يوليو سنة 1212، لم يبق أدنى أمل للإسلام في استرجاع طليطلة.
ولما رجعت طليطلة مسيحية، وصارت عاصمة قشتالة، بقيت حافظة مسحة إسلامية راسخة، فإن قسما من أهلها لبثوا مسلمين، فكما أنها كنت مدينة الموزاراب أي الأسيان المستعربين في دولة الإسلام، كانت أيضا مدينة المورسك أي المسلمين المدجنين في دولة النصارى. ومن الغريب أنه لم يبق آثار كثيرة في هذه البلدة للمسلمين عن إقامتهم الطويلة بها، وكل ما بقي هو آثار جامع صغير في بيب
230
مردوم هو الذي تحول إلى كنيسة باسم كنيسة مسيح النور، وكذلك وجد في طليطلة من بقايا الإسلام بعض أقسام من قصر «تورنيرياس»،
231
ومن الباب القديم المسمى بباب شقره.
232
ولكنه وجد كثير في الأرباض من قبور المسلمين التي عليها كتابات عربية.
233
وختم لاوي بروفنسال هذا الفصل في الإنسيكلوبيدية الإسلامية بقوله:
برغم أن طليطلة كانت ثغرا، وكان فيها عناصر عظيمة من النصرانية، فقد كانت لآخر عهد بني أمية، وفي أيام المأمون بن ذي النون، من القواعد الكبرى للثقافة الإسلامية في الأندلس، وإن كثيرا من التراجم والسير لتتعلق بعلماء وحكماء وفقهاء من مسلمي طليطلة. انتهى.
وجاء في الإنسيكلوبيدية الإسلامية تحت لفظة «أندلس» بقلم المستشرق سيبولد كلام قال فيه:
إلى الآن لم يتيسر القيام بتحقيق علمي تام عن كيفية تأثير المدنية الأسبانية العربية بأوروبا في القرون الوسطى، وإلى أية درجة بلغ هذا التأثير. فهذا الأمر يتعلق بالبحث عن دار الترجمة التي كانت بطليطلة، وهي الواسطة التي قام بها أدباء اليهود بين الشرق والغرب، وكان هؤلاء اليهود بأجمعهم منسوبين إلى الثقافة العربية. انتهى.
وجاء في صبح الأعشى للقلقشندي: أن موقع طليطلة في آخر الإقليم الخامس قال ابن سعيد: حيث الطول خمس عشرة درجة وثلاثون دقيقة، والعرض ثلاث وأربعون درجة وثمان عشرة دقيقة، قال في تقويم البلدان: وهي من أمنع البلاد وأحصنها، مبنية على جبل عال، والأشجار محدقة بها من كل جهة، ويصير بها الجلنار بقدر الرمانة من غيرها، ويكون بها شجر الرمان عدة أنواع، ولها نهر يمر بأكثرها، ينحدر من جبل الشارة، من عند حصن هناك يقال له تاجه، وبه يعرف نهر طليطلة. ومنها إلى نهاية الأندلس الشرقية، عند الحاجز الذي هو جبل البرت، نحو نصف شهر. وكذلك إلى البحر المحيط بجهة شلب. ثم ذكر القلقشندي من مضافات طليطلة مدينة وليد،
234
ومدينة الفرج،
235
ومدينة سالم،
236
التي فيها قبر المنصور بن أبي عامر.
بقي علينا أن نذكر قضية المائدة التي يقال إن طارق بن زياد وجدها في طليلطة عند فتحها، وأطال مؤرخو العرب في وصفها، وهاموا في أودية الخيال، وقالوا ما ليس وراءه مقال، وسموها مائدة سليمان، وزعموا أنها كانت من ذخائر أشبان، ملك الروم لدى بني أشبيلية، وأنه أخذها من بيت المقدس. وقالوا إن هذه المائدة قومت عند الوليد بن عبد الملك بمائة ألف دينار، وقيل إنها كانت من زمرد أخضر. وقالوا إن طارقا وجد بطليطلة ذخائر عظيمة، منها مائة وسبعون تاجا من الدر والياقوت والأحجار النفيسة، وإيوان ممتلئ من أواني الذهب والفضة، وهو كبير، حتى قيل إن الخيل تلعب فيه فرسانها برماحهم لوسعه. وذكروا أن أواني المائدة من الذهب، وصحافها من اليشم والجزع، قال المقري في نفح الطيب بعد سرده هذه الأشياء: وذكروا فيها غير هذا مما لا يكاد يصدقه الناظر فيه.