ثم في السنة التي بعدها حصر الأمير طليطلة حصارا استمر عدة أشهر، ثم أخذها عنوة في عام 222 ولم يرجع عنها حتى أخذ منها رهائن بقيت في قرطبة إلى سنة 238 ولكن في هذه السنة نفسها عند ولاية الأمير محمد بن عبد الرحمن بن الحكم رفعت طليطلة لواء العصيان، وعزل أهلها الوالي العربي الذي عندهم وزحفوا بجيش هزم جيش الأمير محمد في اندوجر سنة 239، ولما كانوا يتوقعون زحف الجيوش إليهم من قرطبة تحالفوا مع «أوردونوه» الأول ملك ليون الذي أمدهم بجيش من عنده، ولكن الجيش الأموي تغلب عليهم وقتل منهم عشرين ألفا.
وسنة 244 قوب الأمير محمد تحت جسر طليطلة بينما كتائب الجند فوق القنطرة، فوقعت وهلكوا جميعا، فاضطر الطليطليون إلى الخضوع، ولكن على صورة دفع جزية سنوية، وتمتعهم باستقلالهم الداخلي.
وبقيت الحال على هذا المنوال إلى زمن الخليفة الناصر، فلما انتهى من إخضاع جميع الثائرين أرسل إلى طليطلة جماعة من الفقهاء، ليبلغ أهلها بأن استقلالهم الداخلي غير مقبول. فنصح الفقهاء لهم، فذهب نصحهم بدون فائدة فزحف الخليفة إلى طليطلة بنفسه بجيش جرار، وخيم على الجبل المقابل لطليطلة، وأصر وصمم على أن لا يبرح مكانه حتى يفتحها.
ثم جعل يبني في المخيم بالحجر، وأقام سوقا، وسمي المخيم مدينة الفتح. ودام الحصار إلى سنة 320، وفق 932، فاضطر الطليطليون إلى الاستسلام. وجعل فيها الناصر حامية أموية، وصارت مركزا للثغر الأوسط.
وكان والي طليطلة معدودا من أكابر رجال الديوان، فتولاها محمد بن عبد الله بن حدبر، ثم القائد أحمد بن يعلى.
وفي زمن الحكم المستنصر بن الناصر تولاها غالب بن عبد الرحمن الناصري، حمو الحاجب المنصور بن أبي عامر.
ولما نشبت في قرطبة الفتن التي أفضت إلى سقوط دولة بني أمية، لم تستفد طليطلة من تلك الحوادث، كما كانت تفعل قبل ذلك ، وكانت على مدة سنين مقرا للقائد واضح، وملجأ لمحمد بن هشام بن عبد الجبار، ولكن لما انقسمت الأندلس إلى ممالك صغيرة صارت طليطلة مملكة مستقلة يليها ينو ذي النون.
وكان بنو ذي النون من زعماء البربر خدموا المنصور بن أبي عامر، وكانوا في شنته مرية.
227
فلما سقطت الخلافة في قرطبة أرسل أهل طليطلة إلى عبد الرحمن ابن ذي النون يعرضون عليه ولاية بلدهم، فأرسل إليهم ابنه إسماعيل، فتولى طليطلة وملحقاتها، واعتمد على أحد أعيانها أبي بكر بن الحديدي. وذهب بعض مؤرخي العرب إلى أن بعد سقوط الخلافة لم يكن ابن ذي النون أول أمير لطليطلة، بل سبقه ابن مسرة، ومحمد بن يعيش الأسدي، وولده أبو بكر يعيش. وذكروا أيضا سعيد ابن شنظير، وولده أحمد وعبد الرحمن بن منيوه وولده عبد الملك. وعلى أن بداية حكم ابن ذي النون كانت سنة 427 وفق 1035 إلى 1036، فتلقب ابن ذي النون بالظافر. وكانت وفاته سنة 435، وخلفه ابنه يحيى، وتلقب بالمأمون. ولما مات يحيى سنة 467 كانت المملكة الطليطلية قد عظمت واتسعت، فخلفه حفيده يحيى بن إسماعيل بن يحيى، الذي تلقب بالقادر، ولم يكن في هذا شيء من حسن تدبير جده ولا من دهائه. فأخذت مملكة طليطلة بالانحطاط، وفارقه جميع حلفاء جده من أمراء الإسلام، فانفرد وأحس بالضعف، والتزم أن يلجأ إلى الأذفونش السادس صاحب قشتالة وليون، فرضي الأذفونش بأن يحميه لكن على شرط أن يؤدي إليه إتاوة سنوية كان الأذفونش يزيدها سنة عن سنة. فاضطر القادر إلى أن يزيد الضرائب على أهل مملكته، فثاروا به فتقبض على كثير من أعيانهم، وأوقع بهم، ومن جملتهم وزيره ابن الحديدي، فازداد بذلك غضب الطليطليين، حتى فر القادر من طليطلة، وبايع أهلها المتوكل ابن الأفطس صاحب بطليوس الذي تولاها سنة 472.
تسليم طليطلة لعبد الرحمن الثاني سنة 838م.
فلما زحف إليها الأذفونش السادس بحجة أنه يريد حفظها لابن ذي النون كان ذلك خداعا منه، ودخلها في 27 محرم سنة 478، وفق 25 مايو سنة 1085 وكان قد أجبر القادر على عقد معاهدة معه يتخلى له بها عن المملكة، فكانت مرحلة شاسعة من مراحل استرداد المسيحيين للأندلس.