وقد ذكرها جغرافيو العرب فأطالوا، وقصروا، وجعلها الشريف الإدريسي من إقليم الشارات، وفي زمانه كانت طليطلة انتقلت إلى أيدي الأسبانيول، وإنما نوه الإدريسي بمنعة موقعها، وبحصانة أسوارها، وبالتفاف جناتها التي تجري فيها قني الماء المرفوع بالنواعير.
وممن أطرى طليطلة أبو الفداء الذي ذكر بساتينها، وقال إنه يوجد فيها رمان ذو حجم غير معهود. وقال ياقوت الحموي: إن الحنطة التي تنبتها بقعة طليطلة تبقى سبعين سنة ولا تتعفن، وإن زعفرانها هو بغاية الجودة. وقد ذكر طليطلة المؤرخ الروماني تيتليف وسماها «توليته» وقال: إن الرومانيين استولوا عليها بصعوبة سنة 193 ق.م. وذلك في زمن فولفيوس
Fulvues ، وكانت مدينة زاهرة لعهد الرومان وصار لها شأن عظيم بعد انتشار النصرانية. وفي سنة أربعمائة للمسيح انعقد فيها مجمع أساقفة حضره 19 أسقفا، وفي سنة 418 استولى عليها القوط، وجعلوها حاضرة ملكهم. وفي سنة 567 استقر بها «أتاناجلد» ملك القوط، ولما تنصر ريكاريد سنة 587 عظم شأنها، وصارت عاصمة الكثلكة في أسبانية. وفي طليطلة كان لذريق ملك أسبانية، ويتحدثون أنه فيها شاهد فلورندة ابنة الكونت يوليان صاحب سبتة تغتسل في الحمام، الذي يقال له حمام الكهف، فهام بها، ولما فتح طليطلة طارق بن زياد سنة 82 للهجرة، أو 714 للميلاد، كانت تقريبا خاوية على عروشها، ولم يكن فيها غير نزر من اليهود، ضمهم طارق إلى جيشه. ثم وافاه الجيش الذي كان سرحه لأخذ غرناطة ومرسية. وفي طليطلة جعل مؤرخو العرب ملتقى طارق مع موسى ابن نصير سيده، ولكن موسى لم يتريث في طليطلة، بل ساق منها إلى الشمال قاصدا سرقسطة. وجميع من كتبوا من العرب عن الأندلس ينقلون الأخبار التي كانت شائعة، والتي هي أشبه بالأساطير منها بالحقائق عن الكنوز والأموال التي وجدها العرب في طليطلة عندما فتحوها، وأشهر هذه الأخبار قصة «البيت المغلق في طليطلة» وقد بحث في هذا الموضوع بحثا دقيقا المسيو «ريني باسه»
René Basset
في رسالة ألفها سنة 1898.
ويدور ذكر طليطلة كثيرا في كتب العرب، ولا سيما من بعد استقرار دولة بني أمية في قرطبة، فإن طليطلة لم تكن تطيع قرطبة، وأصبحت مركز عصيان دائم على الدولة، ومما لا شك فيه أن السواد الأعظم من أهلها بعد استيلاء الإسلام عليها لم يتركوا الديانة الكاثوليكية برغم استعرابهم، وأنهم كانوا لا يطيقون حكم المسلمين برغم شدة تسامح هؤلاء، فكانوا لا يدعون فرصة تمر، ولا غرة تلوح، حتى يطغوا ويتمردوا.
وفي طليطلة وجدت الثورة البربرية التي وقعت سنة 122 للهجرة أعظم أنصارها وبجانب طليطلة كانت واقعة وادي السليط التي استأصل فيها جيش قرطبة دابر ثوار طليطلة.
ملاقاة موسى بن نصير مع طارق بن زياد بأرض طليطلة.
ثم إلى طليطلة هذه انهزم يوسف الفهري من وجه عبد الرحمن الداخل، وبقي ممتنعا بها حتى قتل
223
سنة 142، ومن زمن عبد الرحمن الداخل إلى زمن عبد الرحمن الناصر لم تفتر طليطلة يوما واحدا عن المقاومة، وفي سنة 147 ثار فيها هشام بن عذره فرماه عبد الرحمن باثنين من قواده: بدر وتمام بن علقمة اللذين حصرا المدينة،
224
ولما تولى هشام الأول ونازعه أخوه سليمان، ذهب هذا إلى طليطلة، والتزم الأمير هشام أن يذهب ويحاصر طليطلة، وبعد حصار شهرين رجع عنها خائبا. وسنة 181 تولى الحكم بن هشام فثارت عليه أيضا طليطلة بقيادة رجل اسمه عبيدة بن حميد، وكان أكثر من يغري أهل طليطلة بالثورة شاعرهم غربيب، الذي كانوا يحبونه
225
حبا جما، فولي الأمير الحكم على طليطلة مولدا أصله من وشقه، اسمه عمروس، وكان اتفق مع الأمير أن يأخذ أهل طليطلة في شرك يوقعهم فيه، وذلك أنه دعاهم وقتلهم جميعا، في الواقعة المسماة بواقعة الحفرة
226 (سنة 191) ولكن لم يمض أكثر من عشر سنوات على هذه الواقعة حتى ثارت طليطلة مرة أخرى، وذلك سنة 199 فزحف إليها الأمير الحكم بنفسه، ودخل البلدة، وأحرق الجانب الأعلى منها، ثم في سنة 214 وفق 829، ثارت طليطلة أيضا بتحريض مولد اسمه هاشم الغراب، فاستمرت الفتنة سنتين إلى أن سكنت. وفي زمن عبد الرحمن الثاني ثارت أيضا فأرسل إليها جيشا بقيادة الأمير أمية، وكان ذلك بعد الفتنة السابقة بخمس سنوات لا غير.