تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وكان الأذفونش بين النائم والواعي. فلما سمع الحديث عن أخذ طليطلة، أصغى إليه، وتنبه له، ووعى كل ما سمعه. ولكنه أسرها في نفسه، ولم يشعر القوم بأنه سمع مما قيل شيئا. ثم إنه لما جلس على عرش قشتالة تذكر ذلك المجلس، وعمل برأي من قال إن طليطلة قد تؤخذ بالحصر والجوع.

ويظهر من هنا أن الأذفونش لم يكن يجهل العربية، لأن ابن ذي النون وجماعته إنما تكلموا في تلك القائلة بالعربية، لا بالأسبانيولية. فلو لم يكن الأذفونش عارفا بالعربية لما فهم الحديث.

والخلاصة أنه حاصر طليطلة عدة سنوات وعاث في نواحيها، وقطع الميرة التي كانت تأتيها من ضواحيها، ومازال يجوع أهلها حتى أخذها في 25 مايو سنة 1085 كما تقدم.

وقيل، وهو الأرجح، إنه استولى على تلك البلدة بدون عناء كبير، بل بإقناعه القادر بن المأمون بن ذي النون بأن يكون خيرا له لو ذهب إلى بلنسية، وملك فيها وهي في بحبوحة من الإسلام، وترك له طليطلة الواقعة دائما في حلق العدو.

وقد أجمع المؤرخون على سوء تدبير القادر بن ذي النون، وأنه لم يكن كفؤا لعروس مثل طليطلة، فكان وجوده فيها السبب في ذهابها من يد الإسلام. وكان ذلك نبأ كبيرا، كما جاء في مرثية طليطلة، لأن القشتاليين أخذوا بعدها بمخنق الإسلام وبركوا على قلبه في جزيرة الأندلس، وصار بعدها ثغره معورا وأمره مدبرا.

وأصل بني ذي النون من البربر الذين كانوا في خدمة الدولة العامرية. وروى ابن عذارى أن اسم جدهم لم يكن «ذا النون» وإنما كان «زنون»، وهو اسم من أسماء البربر فتصحف بطول المدة، وصار «ذا النون» بالذال.

قال: ولم يكن لهؤلاء القوم نباهة قديمة، ولا ذكر إلا في دولة ابن أبي عامر، فإنهم تقدموا في دولته واشتهروا، فكان منهم من يقود الجيوش، ويلي الأعمال والبلاد، وكان منهم في آخر أمد الجماعة وال بكورة «شنت بريه»، فلما وقعت الفتنة بالأندلس كان الوالي بمدينة طليطلة وذواتها عبد الرحمن بن منيوه، وأدركته منيته في خلال ذلك، فورث نظره عبد الملك بن عبد الرحمن بن منيوه، فأساء السيرة بالرعية. وكان أهل طليطلة على قديم الدهر أهل فتنة وقيام على الملوك، فلم يرضوا سيرة هذا الفتى فخلعوه، وولوا على أنفسهم من ينظر في أمرهم. ثم إنهم نقموا عليه شيئا فعزلوه، وولوا غيره، ثم خلعوه. ثم رأوا أن يرسلوا إلى ابن ذي النون بشنت مرية، فوجه إليهم ابنه إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذي النون. فاستولى هذا الفتى على ملك طليطلة وبلادها، فساس أهل مملكته السياسة الحسنة.

وكان أكبر أهل طليطلة رجلا يسمى أبا بكر بن الحديدي، وكان شيخها، والمنظور إليه بها من أهل العلم، والعقل والدهاء، وحسن النظر في صلاح البلد. وكان العامة تعضده، وتقوم دونه، فكان هذا الفتى إسماعيل بن ذي النون لا يقطع أمرا دونه، ويشاوره في مهمات أموره، فحسده قوم من أهل طليطلة على منزلته عند أميرهم، فناقشوه وعادوه، وحضرت منية إسماعيل بن ذي النون، فولى بعده ابنه يحيى بن إسماعيل الملقب بالمأمون، ولما ملك يحيى بن ذي النون طليطلة جرى على سيرة أبيه في استعمال قانون العدل، وجرى مع بن الحديدي على سنن أبيه، فاستقامت طاعته، وضخم ملكه. انتهى قلنا ولم يكن القادر بن المأمون على شيء مما كان عليه أبوه فلذلك أضاع تلك البلدة العذراء، والخطة الغراء، وأي ملك أضاع! وأي ثغر مكن منه عدو الإسلام، فتمكن بقدر ما استطاع؟!

ولنذكر هنا ملخصا ما قاله المستشرق لاوي بروفنسال في الإنسيكلوبيدية الإسلامية قال: توليدو، وبالعربي طليطلة، مدينة في أسبانية، موقعها في وسط الجزيرة الأيبيرية على مسافة 91 كيلومترا إلى الجنوب، والجنوب الغربي من مجريط وارتفاعها عن سطح البحر 568 مترا، وهي على أكمة من الصخر، يحيط بها نهر تاجه من الجهات الثلاث، جاريا في واد عميق، يسقي حفافيه إلى الشمال الشرقي، والشمال الغربي، بقعة بديعة مريعة، ومن بعدها ترى بسائط قشتالة الجرداء. وليس في طليطلة اليوم أكثر من 25 ألف نسمة من السكان، إلا أنها لا تزال مركز ولاية، ولا يزال فيها كرسي الأسقف الأعظم برماط أسبانية. وأما موقعها فلا يضاهيه موقع في العظمة.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ١٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ١٣٨