221
والشرق من قرطبة. وكانت قاعدة ملوك القوطيين، وموضع قرارهم، وهي على شاطئ نهر تاجه، وعليه القنطرة التي يعجز الواصف عن وصفها. وقد ذكر قوم أنها مدينة دقيانوس صاحب أهل الكهف. قال: وبالقرب منها موضع يقال له جنان الورد، فيه أجساد أهل الكهف لا تبلى إلى الآن، والله أعلم. وقد قيل فيهم غير ذلك، كما ذكر في الرقيم، وهي من أجل المدن قدرا، وأعظمها خطرا. ومن خاصيتها أن الغلال تبقى في مطاميرها سبعين سنة لا تتغير، وزعفرانها هو الغاية في الجودة. وبينها وبين قرطبة سبعة أيام للفارس ومازالت في أيدي المسلمين منذ أيام الفتوح إلى أن ملكها الأفرنج في سنة 477
222
وكان الذي سلمها إليهم يحيى بن يحيى بن ذي النون، الملقب بالقادر بالله، وهي الآن في أيديهم (إلى أن قال): ينسب إليها جماعة من العلماء، منهم أبو عبد الله الطليطلي روي كتاب مسلم بن الحجاج، توفي يوم الأربعاء الثاني عشر من صفر سنة 458 وعيسى بن دينار بن واقد الغافقي الطليطلي، سكن قرطبة، ورحل، وسمع من أبي القاسم، وصحبه، وعول عليه، وانصرف إلى الأندلس، فكانت الفتيا تدور عليه، لا يتقدمه في وقته أحد. قال ابن الفرضي: قال يحيى بن مالك بن عائذ: سمعت محمد بن عبد الملك بن أيمن يقول: كان عيسى بن دينار عالما متفننا، وهو الذي علم المسائل أهل عصرنا.
وكان أفقه من يحيى بن يحيى، على جلالة قدر يحيى. وكان محمد بن عمر بن لبابة يقول: فقيه الأندلس عيسى بن دينار، وعالمها عبد الملك بن حبيب، وعاقلها يحيى بن يحيى. وتوفي سنة 212 بطليطلة، وقبره معروف. ومحمد بن عبد الله بن عيشون الطليطلي أبو عبد الله، كان فقيها، وله مختصر في الفقه، وكتاب في توجيه حديث الموطأ، وسمع كثيرا من الحديث، ورواه. وله إلى المشرق رحلة، سمع فيها من جماعة، وتوفي بطليطلة لتسع ليال خلون من صفر سنة 341. ا.ه. كلام ياقوت.
ولما تغلب الأسبانيول على طليطلة اهتز لذلك الإسلام، وأدرك العقلاء سوء المصير، لأن ذهاب هذه القاعدة من أيدي المسلمين، وهي في وسط أسبانية، كان مقدمة حوادث كبار توقعوها، ولم يخطئوا في حسبانهم لها. وقد كانت وقعة الزلاقة في السنة التالية، وهي التي أجاز فيها يوسف بن تاشفين إلى الأندلس إصراخا لمسلميها هي نتيجة سقوط طليطلة في أيدي النصارى. وبالرغم من كون ابن تاشفين أحرز في وقعة الزلاقة نصرا عزيزا، وفتحا مبينا، وخضد شوكة الأسبانيول في ذلك اليوم، فإنه لم يتمكن من استرداد طليطلة، وبقيت العلة في محلها، وإنما تأخر انحلال دولة الإسلام في الأندلس بواسطة المرابطين، ثم بواسطة الموحدين نحوا من ثلاثمائة سنة ولنذكر هنا مرثية قيلت لدى سقوط طليطلة، وحتى الآن لم نعرف اسم قائلها، ونحن ننقلها عن نفح الطيب كما هي. وهي هذه:
لثكلك كيف تبتسم الثغور
سرورا بعد ما يئست ثغور؟!
أما وأبي مصاب هد منه
ثبير الدين، فاتصل الثبور
لقد قصمت ظهور حين قالوا:
أمير الكافرين له ظهور
ترى في الدهر مسرورا يعيش؟
مضى عنا لطيته السرور!
أليس بنا أبي النفس شهم
يدير على الدوائر إذ تدور؟!
لقد خضعت رقاب كن غلبا
وزال عتوها ومضى النفور
وهان على عزيز القوم ذل
وسامح في الحريم فتى غيور
طليطلة أباح الكفر منها
حماها! إن ذا نبأ كبير!
فليس مثالها إيوان كسرى
ولا منها الخورنق والسدير
محصنة محسنة بعبد
تناولها، ومطلبها عسير
ألم تك معقلا للدين صعبا
فذلله كما شاء القدير
وأخرج أهلها منها جميعا
فصاروا حيث شاء بهم مصير
وكانت دار إيمان وعلم
معالمها التي طمست تنير
فعادت دار كفر مصطفاة
قد اضطربت بأهليها الأمور
مساجدها كنائس! أي قلب
على هذا يقر ولا يطير؟!
فيا أسفاه! أسفاه! حزنا
يكرر ما تكررت الدهور
وينشر كل حسن ليس يطوى
إلى يوم يكون به النشور
أديلت قاصرات الطرف كانت
مصونات مساكنها القصور