ولما افتتحها العرب لم يجعلوها عاصمتهم، كما كانت في زمن القوط، وآثروا عليها قرطبة لكونها أقرب إلى أفريقية، فصارت طليطلة تعصي أمر قرطبة، وتثور على بني أمية، ولكن عمرانها لم يتقلص بالثورات، لكثرة ما كان بها من الصنائع، مثل صناعة السيوف
215
وصناعة نسج
216
الحرير والصوف، ولأن بقعتها من أخصب بقاع الأندلس فكانت تبقى السنين الطوال والخلفاء يحاولون إخضاعها، ويغادرونها ويراوحونها بالجيوش، وهي مع ذلك عزيزة منيعة، ثابتة راسخة، أمنع من عقاب الجو. وقد كان استرداد الأسبانيول لطليطلة مبدأ تأخر العرب بدون نزاع، وفي ذلك يقول عبد الله بن فرج اليحصبي المشهور بابن العسال:
حثوا رواحلكم يا أهل أندلس
فما المقام بها إلا من الغلط
الثوب ينسل من أطرافه وأرى
ثوب الجزيرة منسولا من الوسط
من جاور الشر لا يأمن عواقبه
كيف الحياة مع الحيات في سفط؟
وقد أصاب هذا الشاعر في قوله هذا، لأنه لما استولى النصارى على طليطلة كانوا كأنهم دخلوا في وسط بلاد الإسلام، وجاءت الإسلام الضربة في حامل رأسه لأنه كان المسلمون في ذلك الوقت لا يزالون في سرقسطة ونواحيها، وكان لا يزال لهم قواعد وحواضر هي إلى الشمال من طليطلة. ثم إن موقع طليطلة بمنعته الخارقة للعادة جعلت الأسبانيول منها في حصن حصين لا يؤتى وعصمتهم في حرز حريز لا يؤخذ، وهم أنفسهم لم يقدروا على طليطلة في حقيقة الأمر إلا بفساد أحوال المسلمين، والفتن التي كانت بينهم. وخلاصة الأمر أنه بعد أن نشبت الفتنة الكبرى في قرطبة بين العرب والبربر، وانتثر السلك، ونجمت الملوك الذي يقال لهم ملوك الطوائف، استبد بأمر طليطلة بنو ذي النون، كما سيأتي الكلام عليه، فوقعت العداوة بينهم وبين بني هود الذين استقلوا بسرقسطة، وتوالت الوقائع بين الفريقين، وكل منهما يستظهر بالأسبانيول على الآخر.
ولنأتك بمثال ننقله لك عن ابن عذارى المراكشي في كتابه
المغرب في أخبار الأندلس والمغرب» وهود خير كتاب عرف بأخبار الأندلس. قال عند ذكره سقوط طليطلة: «وخرج فرديلند الطاغية أيضا المظاهر لسلمان بن هو، وهو فردلند بن شانجة، أمير جليقية إلى ثغر طليطلة في خلق كثير. وجاءه ابن عم ابن ذي النون ليدله على عورات البلاد، وتهاربت الناس أمامه من كل جهة إلى طليطلة حتى غصت بهم، واضطربت أحوال أهلها. كل ذلك وأميرهم يحيى بن ذي النون غائب عنهم بجيشه في مدينة سالم، مقيم بها لئلا يدخلها ابن هود فلما تيقن بخروج هذا اللعين إلى عمله، وضجت رعيته إليه، جاء في جموعه، فلم يصنع شيئا ولا قدر على لقائه (أي على لقاء الطاغية) واضطربت أحوال الناس بطليطلة خلال ذلك، فلما رأى ذلك أهل طليطلة أرسلوا إلى الطاغية فردلند المظاهر لابن هود ليعقدوا معه صلحا على بلدهم طليطلة وما حولها على مال يؤدونه إليه ويرحل عنهم. فقال لهم: ما أجيبكم إلى سلم، ولا أعفيكم من حرب، حتى تفعلوا كذا وكذا. واشترط عليهم شروطا لا يقدرون عليها. فقالوا: لو كنا نقدر على هذه الأشياء وهذه الأموال لأنفقناها على البرابرة، واستدعيناهم لكشف هذه المعضلة. فقال فرلند: «أما قولكم لا تقدرون على هذه الأموال فذلك محال، فلو كسفت سقوف بيوتكم لبرقت ذهبا لكثرته، وأما استدعاؤكم البرابرة فأمر تكثرون به علينا، وتهددوننا به، ولا تقدرون عليه مع عداوتهم لكم، ونحن قد صمدنا إليكم، ما نبالي من أتانا منكم، فإنما نطلب بلادنا التي غلبتمونا عليها قديما في أول أمركم ، فقد سكنتموها ما قضي لكم، وقد نصرنا الآن عليكم بردائتكم، فارحلوا إلى عدوتكم، واتركوا لنا بلادنا، فلا خير لكم في سكناكم معنا بعد اليوم، ولن نرجع عنكم أو يحكم الله بيننا وبينكم. ا.ه.
فلم يجد رسل أهل طليطلة عند فردلند وأصحابه النصارى قبولا لما عرضوه عليهم من الصلح.