تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ولا عجب، فقد بقي العمل في القاعدة العظمى، بحسب قولهم، مدة ثلاثة قرون ولها ثمانية أبواب، أكثرها من الأعاجيب. وهي أبواب الغرب التي لا يفتحونها، مقتصرين على الباب الجنوبي المسمى بباب الأسود، والباب الجوفي المسمى بباب الساعة، الذي يشرع من جهة المدينة العليا. وفيها عدة مذابح، منها مذبح نصف عربي. ولكن جميع بدائع الصنعة والنقش والتصوير مستوفاة في المذبح الأعظم. وعقود الأقواس كلها من المرمر، تحيط بأعناقها قلائد مذهبة من الصنعة العربية

Arabesque .

وفي هذه الكنيسة من صنوف الخرط والنجر وفنون التنزيل والحفر ما يعجز القلم عن وصفه، فليس له إلا النظر بالعين! وماذا تقول في بناء لبثوا يعملون فيه ثلاثمائة سنة، وبذلوا عليه القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، واستجادوا له أشهر الصناع في أعصرهم، وأمهر النحاتين والمصورين في أوقاتهم؟! وفي خزائن هذه البيعة كنوز هي فوق التخمين من كل نوع، قد تراكمت من قرون. ولكن الذي يريد الفرجة لا يقدر أن يتبين محاسنها، من ضعف النور الذي يدخل إلى الكنيسة، لأنهم، كما لا يخفى، يستحب عندهم في الكنائس أن يكون نهارها ليلا، لما في ذلك من الهيبة بزعمهم، وهذا ما رأينا الكثيرين من الأفرنج ينتقدونه، ويقابلون بينه وبين مساجد الإسلام التي تفيض نورا.

وأما المذبح نصف العربي فقد جعلوه بقرب الباب، وقد كان بناؤه على يد المهندس هنري دوايغاس، بأمر الكردينال شيمانيس الشهير

Jiménes

وذلك سنة 1504، وهم يقدسون على هذا المذبح بحسب الطقس القوطي الذي وضعه سان إيزيدور. وكانت في طليطلة قد بقيت ست كنائس محافظة على الطقس القوطي إلى سنة 1851، فمن ذلك الوقت توحد الطقس، وصار رومانيا محضا.

ومن كنائس طليطلة المعدودة كنيسة سان جوان

194

الملوك، وهي كنيسة بناها فرديناند وإيزابلا على الأسلوب القوطي، والأسلوب المعروف بالريناسنس

195

مجموعين فيها وقد بذل فرديناند وإيزابلا في بنائها قناطير مقنطرة من الذهب فجاءت من أبدع الكنائس زخرفا وكانا أعداها لدفنهما فيها، إلا أنهما عدلا عن ذلك الرأي بعد استيلائهما على غرناطة سنة 1492 ومحوهما كل أثر لملك الإسلام في الأندلس فقررا عند ذلك أن يكون دفنهما في كنيسة غرناطة، وتوقف العمل في كنيسة سان جوان هذه، ولم تتم إلا في القرن السابع عشر. فلذلك اختلف طرز بنائها في ذاته بحيث جمعت بين أسلوبين متغايرين. وعلى جدران هذه الكنيسة الخارجية سلاسل حديد يقولون أنها كانت قيودا لأسارى المسيحيين الذي أنقذهم فرديناند وإيزابلا يوم دخلا غرناطة، وفي هذه الكنيسة صور للقديس سان جوان. وصورة شعار الملكين فرديناند وإيزابلا وأسلحتهما، والمذبح الأعظم من هذه الكنيسة منقول من كنيسة شنت أفرج

196

القديمة، قال في دليل بديكر: إن زينة حمراء غرناطة ونقوشها قد تمثلت هنا بصور مسيحية. وقد كانت هذه الكنيسة في يد الفرنسيسكانيين، ثم تحولت من زهاء مائة سنة كنيسة لأهالي المحلة المجاورة. وكان بجانبها دير تحول متحفا ومدرسة صناعية.

وموقع هذه البيعة هو على أكمة مشرفة، تسرح منها الأنظار على وادي تاجه، وعلى البقعة،

197

وعلى شارات سان برناردو وغريدوس. وإلى الشمال الغربي من دير سان جوان الملوك يقع الباب المسمى عند العرب بباب المكاره،

198

وعلى مقربة من هناك في بقعة يقال لها باجه كنيسة سانتا لوقادية. وهي قديمة، بنيت في القرن الرابع، في المكان الذي يقال أن القديسة لوقادية نالت فيه أكليل الشهادة، وكان العرب قد هدموها، فلما رجع الأسبانيول جددوها.

وعلى ضفة نهر تاجه قريبا من هناك معمل السيوف، وتاريخ إنشائه سنة 788 ولكن لم تبق لسيوف طليطلة تلك الأهمية، بعد أن بقيت قرونا مشهورة بهذه الصناعة من زمن الرومان إلى زمن القوط، إلى زمن العرب، إلى زمن الأسبان، لا سيما القرن السادس عشر، ومن النصال الطليطلية أنموذجات بديعة في متحف مجريط، وإلى الجنوب من باب المكاره قطعة من السور تنتهي بباب سان مرتين، وإلى الشمال من هذا الباب المسلخ الذي يقال أنه كان في مكانه قصر الملك لذريق، الذي منه انتزع العرب جزيرة الأندلس، وهو الذي افتضن كريمة الكونت يليان المسماة فلورنده،

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول) · الصفحة ١٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

الحلل السندسية في الأخبار والآثار الأندلسية (الجزء الأول)ص ١٣١